السبت، 1 أكتوبر، 2005

مرافعة من أجل مناهضة الاستبداد







كنا نظن أننا قد انتهينا مع عهد الاستبداد.
فقد ماتت النازية، باستثناء بضع العصابات من حليقي الرؤوس بحثا عن الأدرينالين. وشكل النظام السوفياتي برهان قاطع لفشله – بسبب عشرون مليون قتيلا– نستطيع اذا تتنفس الصعداء في نهاية المطاف. حتى الدين أصبح شبيها بقمر قديم فرّ من السياسة ليلتحق بجناح "التراث ". لكن كل هذا كان ضربا من الوهم، سراب. كانت تعتقد فرنسا انها تسلك طريق التقدم الاجتماعي في الثلاثينات ...
 كم هو عدد الرجال والنساء الذين احتفلوا بالعطل المدفوعة الحساب وجميع مكاسب الجبهة الشعبية حتى شهدوا العدار الذي دمّر حياتهم في أقل من ثلاثة سنوات بعد ذلك؟ في السنة التي بادر فيها بلوم بتدشين سياسة اجتماعية طموحة، كان هتلر في السلطة يمَّضي أسلحته. حتى في ذلك الوقت لم تنزعج سوى حفنة من الاستباقين من النازية. بإمكان العولمة ووفرة المعلومات والسرعة التي تسافر فيها الصور تجنّب هذا التحول. ومع ذلك، كان علينا ان ننتظر 11 شتمبر والهجوم الذي وقع في قلب الديمقراطية، حتى يكتشف الرأي العام لما يسمى بالديمقراطيات" الغربية " فجأة وبطريقة وحشية تهديد الاسلامويين. واقع أفزع الجزائريين والمصريين والإسرائيليين وجميع العرب والمسلمين الديمقراطيين، وذلك منذ زمن... منذ سنوات الثلاثينات بالضبط. ففي نفس الوقت الذي أخذت النازية زخمها في أوروبا، ترعرع تيار شمولي على ضفاف نهر النيل في مصر، حيث فكّر شخص اسمه حسن البنا، مؤسس الإخوان مسلمين، فكّر في حركة منظمة بما فيه الكفاية وتعتمد على مخططات استراتيجية تجعل يوما "عَلَم الإسلام يرفرف من جديد عاليا في جميع الأقطار التي احتضنت الإسلام بعض الوقت ".
هذا البرنامج التوسعي لم يعني أوروبا وذلك لعقود من الزمن. لكن بعد
مرور سبعين سنة، في حين أن شياطين النازية والستالينية أصبحوا بعيدا، ها نحن نستقبل رغوة الموجة الثالثة. هذه الشمولية الثالثة التي تمشي قدما. محظورة بسبب قمع الأنظمة الاستبدادية في المشرق والمغرب العربي. انتصار هذه الشمولية الجديدة يعتمد جزءيا على قوة المقاومة، أم لا، التي سوف تواجهها في أوروبا. خصوصا بين الشباب ذوي الثقافة المسلمة، التي يستغويها كلحم المدافع حتى يأخد ثأره بعد ذلك. كما يرى يوسف القرضاوي إمكانية التغلب على أوروبا بواسطة التبشير "دخل الإسلام أوروبا مرتين، وتركها مرتين... ولعل المرة القادمة يأتي الفتح، ان شاء الله، سوف تكون عن طريق الوعظ والإيديولوجية. "
أنا شخصيا لا أئمن بهذا الخطر .
ليس كالإسلاموية. لأن الجماعات الأصولية المسلمة أقلية بين المسلمين الأوروبيين. كما أن الخطر لن يأتي من الفرنسيين من أصل شمال افريقيا، فمعظمهم علمانيين، ولكن من هذا اليسار الظلامي الذي هو على اتم الاستعداد لتقديم المفوضين السياسيين والجنود الصغار الذين ينقصون الأصوليين. ليس الفكرة هي الاستيلاء على السلطة في أوروبا بقدر ما هي مستعدة لاستخدام القارة كمِنصّة للتجنيد والتطرف في إطار منظمة دولية إسلاموية / المناهضة للعولمة والتي يشكل وجودها، في حد ذاته، خطرا كبيرا جدا. لانها يمكن أن تكون بمثابة الخطوة الثانية للثورة العالمية على الطريقة  الإيرانية. في حين وقتها قامت النخب تُشِيد " بالخميني كمجنون رهيب ورائع ". هل التاريخ لا يصلح لشيء؟ بالفعل عندما يقوم البعض منا بشرح كيف كانت ايران على حق بسبب رغبتها في الحصول على أسلحة نووية لتحسيس أمريكا بقوتها.
كل يوم يمرّ علينا الاّ ونقيس
أكثر فأكثر تحديات وأهداف الجماعات الأصولية التي تقد نفسها تارة تحت قبعة "الأهالي" وتارة  بقبعة "النسوية الإسلاموية". هدفها هو وبلا شك استغلال الحركة التقدمية للحصول أولا على ضمانات تخول لهم تحقيق أهدافهم من خلال مواجة مقاومة ضعيفة - من التقدميين على وجه التحديد -و أيضا للفوز في تمرير بعض البلهاء "المفيدين" وعدد قليل من رفقاء الطريق. وهذا امر لا يستهان به خاصة عندما نهدف الى تحقيق ثورة ثقافية ثم سياسة عابرة للحدود الوطنية. لانّه إذا أصبح اليسار أصولي، من سيضع حدا للإسلاموية ؟ بالتأكيد ليسوا من بين صناع القرار لأن فكرة الاتفاق مع الأصوليين تستغويهم، بسبب السذاجة المتعددة الثقافات أو الحسابات السياسية. فهناك حاجة ملحة لاسترجاع أنفاسنا. فالتحدي مهم. قصد مناقشة الأفكار. ومن أجل المستقبل. يجب أن نعلن أن رفاق الطريق للأصوليين لا مكان لهم مع فريق التقدميين. تحة طائلة ترك هذا الفريق لكونه يشكل ذريعة أو نقطة انطلاق الظلامية. يعتقد الكثيرون أنهم لا يزالوا قادرين على القيام بالاختيارالانسب، كما لو أن موت يسار لا يعني موت يسار آخر. انهم يرون أنفسهم مقاومين للمقاربات المتشابهة، رافضين المانوية. لهم الحق في ارادة توضيح الرؤيا، في ظل هذا النقاش، حيث يتم الاحتفاظ بالارتباك عمدا. ولكن يجب الحرص على عدم الخلط بين المقاربات المتشابهة والجبن. فمن شهرالى آخر، تتوضح المخاطر، وتقع أقنعة الرّسل المزيفة، وتصبح الحرب غير المعلنة، حربا مفتوحة.
ليس لأحد الحق في تأمل سقوط المُثُل
دون تحريك ساكنا. لا يزال يسار آخر ممكنا. ولكنه لا يستطيع البقاء على قيد الحياة دون خوض مواجهة إيديولوجية مع أشقاء اليسار المضطرب تحت تأثير إغراء الظلامية. قبل ان يفوت الاوان. قبل أن تفقد كلمة "التقدمي" كل معناها بسبب توظيفها في كل ما هو أسوء. الى درجة التخلي عنها بسبب ما تعرضت اليه من تشوهات.

كارولين فوريست
في كتابها "اغراء الظلامية" دار النشر غراسي وفاسكيل 2005

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق