الجمعة، 11 يوليو، 2008

فخ مصطلح "الإسلاموفوبيا"


العنصرية المضادة للمسلمين موجودة وحاضرة. فمنذ 11 سبتمبر، أصبح من حقنا أن نخاف أن تحُلَّ العنصرية المضادة للمسلمين محل العنصرية ضد العرب تحت ذريعة مقاومة الإسلاموية. فللأسف الشديد، بدلا من أن نناهض هذه العنصرية ضد المسلمين نفضل، في كثير من الأحيان، استعمل كلمة أقصر ولكن أكثر الخلط: ألا وهي "الإسلاموفوبيا". فقد تستخدم هذه الكلمة أحيانا بحسن نية، ولكن أصلها – أي "فوبيا تجاه الإسلام" او الخوف من الاسلام- يتستخدم في غالبية الأحيان عندما يتم اعتبار نقد دين المسلمين أو حتى نقد الأصولية الإسلامية شكلا من أشكال العنصرية ضد المسلمين، وهو شكل من أشكال المسلموفوبيا . وهذا يساهم في إرباك و إغراق النضال المناهض للعنصرية، في معركة ضد الازدراء الديني . 

كما قد يكون أيضا الهدف الذي تسعى إليه الشبكات التي استخدمت هذا المصطلح (أي الاسلامفوبيا) لأول مرة. فعلى سبيل المثال نذكر ما حدث في إنجلترا أواخر الثمانينات، ففي الحملة ضد الآيات الشيطانية لسلمان رشدي، فهمت بعض الجماعات الأصولية أنها ستكون أكثر فعالية إذا ما ناضلت ضد أي شخص أساء للإسلام، ليس عن طريق الدعوة الى وضع الرقابة باسم التجديف ولكن باسم أقلية ضحايا "الإسلاموفوبيا". فالشكل يتغير ولكن الهدف يبقى نفسه. الا وهو إسكات أي انتقاد يمس الإسلام. فلجنة حقوق الإنسان الإسلامية، واحدة من هذه المنظمات الاسلاموية التي تحاول انتحال شخصية ما يعادل مسلمي منظمة العفو الدولية وتشارك طوعا في أي حدث مضاد للعنصرية أو العولمة البديلة، فهي تعَرِّف "الإسلاموفوبيا" بأنها "اختراق لحقوق الله ". وفي رأيها، فالضحايا الرئيسيين للإسلاموفوبيا هم الطالبان و المضادين للاسلام الرئيسين هم سلمان رشدي  وتسليمة نسرين. 

هذه الخدعة دلالية – الهدف منها ، تمرير طلب الرقابة الأصولية في قالب المناهضة العنصرية واعتبار المرتدين مناصرين للعنصرية - تشبه الى حد كبير تصوُّر تزامن مع تصور الشبكات المسيحية اليمينية المتطرفة بقيادة برنارد أنتوني  ، الذي انتخب زعيم الجبهة الوطنية ورئيس الجمعية العامة لاحترام الهوية الفرنسية. بعد إجراء حملة ضد "الإغراء الأخير للمسيح"

  لمارتن سكورسيزي، أدرك أنه سيكون أكثر فعالية إذا ما قدم شكوى مفادها "العنصرية المضادة للمسيحية "، ضد أي رسم أو مُلصقة تسيئ الى الإيمان المسيحي. وهذا التلميح، في كثير من الأحيان يعني بالأخص مجلة شارلي إبدو. إلا أن على قدر تفهُّمِ ووعي كل اليسار المناهض للعنصرية بالفخ المنصوب من عبارة "العنصرية المعادية للمسيحية" او كريستيانوفوبيا، على قدر تمزُّقِ كيانه بسبب كلمة "إسلاموفوبيا". إذ في غالب الاحيان يستخدمها البعض، أكثر في نضالهم ضد تشويه الأديان على أن يستخدمونها ضد العنصرية. فغمر الارتباك جيل الشباب. فوفقا لاستطلاع الرأي، نُشر في فترة موازية لمحاكمة الرسوم التي صدرت في حق محمد في لا كروا، ثلاثة أرباع الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18و 25 عاما، يعتقدون أن الضحك على الدين علَنا هو فِعل عنصري. يبدو أن الجيل الجديد لا يستطيع التفريق بين النقد الوجودي هدفه التقليل من شأن فئة من الأفراد، وإنتقاد الإيديولوجية أو الدين.

البعض يستخدم كلمة "الإسلاموفوبيا"، كما تستخدم كلمة "الجنسية المثلية"، دون أن يرى أن هناك فارقا دلاليا مهما. فالمثلية الجنسية ليست منظومة فكرية أو دين ولكن توجُّه جنسي. فمن الصعب ان يكون احد ضد المثلية دون أن يكون ضد المثليون جنسيا. هذا التلميح، المقتبس من قاموس الأمراض العقلية، والمناهض للعنصرية ضد الناس لما هُم عليه، غير مناسبة لخوض النقاشات حول الإسلام، الذي بدوره قد لا يشكل منظومة قيم يمكن اعتبارها قابلة لانتقاد تحت طائلة إغلاق الباب أمام أي انتقادات أو أي دفاع عن العلمانية.

وهذا ما يطمح اليه بطريقة شبه مكشوفة كتاب يسمى "الإسلاموفوبيا الجديدة" الذي ظهر في سنة  تحت ريشة فانسان كيسيير  ، وهو باحث في CNRS ذو شعبية كبيرة في الدوائر الأصولية. وقال انه يعترف برغبته  التنديد بالدياناتفوبيا  وخصوصا الاسلامفوبيا ، ويعني بذلك الخوف من الإسلاميين وليس فقط من المسلمين، مما يسمح له تصنيف واعتبار كل صحفي مناصر للحركة النسوية اوعلماني، أو حتى عميد مسجد باريس أوإيس او إيس عنصرية
 مناهض للإسلام. وقد عرف هذا الكتاب بعض النجاح من خلال إعطاء الشعور لتلبية رغبة الإجابة على كتاب آخر لبيير أندريه تاكييف  ، "اليهوديتفوبيا الجديدة" La  ، والذي قد يشكِّل البناء الدلالي للفظ نفس المشاكل تقريبا. ولكن في نطاق آخر. لأنه اليوم، ففي وقت لا يتجاوز بضعة أسابيع، وباسم رفض الإسلاموفوبيا حظَّر مجلس منظمات حقوق الإنسان في مجمع الأمم المتحدة، حظَّر من أي انتقاد قد يوجَّه الى الدين ، حتى وإن كان لشجب وإدانة الجرائم التي ارتكبت او تُرتكب ضد المرأة، أو المثليين جنسيا أو الأقليات الدينية الأخرى.

وإن كان هذا الامر يعني شيء فهو يعني أن هناك حاجة ملحة لوقف استخدام كلمة "الاسلاموفوبيا " وذلك للتعلم من جديد، التنديد بالعنصرية ضد المسلمين، دون لعب لعبة الأصوليين.

كارولين فوريست في كتابها "عندما يتحلى اليسار بالشجاعة"
"QUAND LA GAUCHE A DU COURAGE"

فخ مصطلح "الإسلاموفوبيا"
Le piège du mot « islamophobie »

فرنسا الثقافة، 11 يوليو 2008

الجمعة، 21 مارس، 2008

بن لادن والويغور



بما أن الالعاب الاولمبية في بكين ستنعقد، عليها على الأقل التنديد باضطهاد الأقليات الثقافية. تلك المتعلقة بالتبتيين ولكن أيضا الويغور، والتي لا نكاد نتحدث عنها. انهم ليسوا بوذيين ولكن مسلمين. انهم ليسوا "هانز" ولكن الويغور. هم اقلية يُقدَّرعددهم ب9 ملايين، يتحدثون الويغور ويعيشون في أحد المناطق الرئيسية المستقلة في الصين: شينجيانغ، الواقعة بين روسيا ومنغوليا وباكستان و التبت. هذه المنطقة هي مبدئيا مستقلة. ولكن في الواقع، تمنع بكين منعا تاما الويغور من ممارسة دينهم، لنقل ثقافتهم وخصوصا التحدث بلغتهم. فبالنسبة لبكين، السماح بتطوير ثقافة مستقلة للويغور قد يمهد الطريق إلى استقلالها. فالمنطقة غنية بالنفط والغاز والموارد المعدنية والأراضي الزراعية ... وهكذا كما فعلت بالنسبة لسكان التبت، قامت بكين بتطوير استراتيجيات التوطين، بمساعدة الهانز لمحاولة طمس هوية الجهة والتحكم فيها بشكل أفضل. علينا أن نتذكر تيانانمين. نسينا أن ثمانية سنوات بعد ذلك، تم قمع حركة الاحتجاج الويغور بالدم واللامبالاة. وتتحدث الأرقام التي يصعب حصرها عن 8000 مفقود و 50000 سجين و اشخاص تعرضوا للتعذيب.

واحدة من هذه الشخصيات والتي تشكل رمزا لثقافة الويغور، هي السيدة ربيعة قدير، والتي كانت من بين المرشحين لنيل جائزة النوبل للسلام في عام 2006. هذه العضوة البرلمانية السابقة الذي جمعت ثروتها في مجال المنسوجات قد تكون أم لأمة مسلمة مظلومة، لكنها لا ترتدي حجابا أو برقعا من أي نوع، وقد تستقبلك بتنورة قصيرة. فمحاولتها التنديد بالقمع، جعلتها تمضي ست سنوات في السجون الصينية. مع المنع من التكلم او حتى من الابتسامة. ومنذ إطلاق سراحها وهي تعيش في المنفى. مثل الدالاي لاما، انها تدين "الإبادة الثقافية".




ففي ينايرالماضي، ألقي القبض على ما يقرب من 15000 من الويغور. البعض منهم ينتظر الآن ليتم اعدامه بسبب الإرهاب. نعم، عندما يثور التباتيون، تقوم بكين بالنداء بالمؤامرة. وعندما يتمرد الويغور، تقوم بكين بالتنديد بالإرهاب. فيوم 11 سبتمبر قد مرَّ من هنا. وتجدر الاشارة هنا أن في الواقع، وبعد أكثر من سنة من المقاومة السِّلمية، قام بعض الناشطين الويغور باقتراف أعمال عنف غير مبررة لأنها هددت الأبرياء وليس النظام.

والمشكلة هي أن بكين أوقفت وأصدرت احكام عشوائية واعتباطية في حق المسالمين والمتمردين. ومع مرور الوقت فسوف وبلا شك يتعاطف نشطاء الويغور في نهاية المطاف مع الإرهاب الإسلاموي الذي يزدهر في باكستان المجاورة.
الغريب في الأمر، هو أن هذه القضية لا تحمس وجدان العالم الإسلامي والذي يركز بعناد على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، رغم انه حتى الآن أقل فتكا نسبيا. فالسيدة ربيعة قدير لها تفسيرها: "في عيونهم، نحن فقط اسيويين وفي نفس الوقت نحن لسنا مضطهدين من قبل الولايات المتحدة وبذلك فالقضية لا تهمهم. "
قام النظام في الصين، لإذلال الويغور، بإحراق المصاحف. ورغم ذلك لن تسمع أي جماعة اسلامية تحتج على هذا الفعل. فلننظر مثلا الى بن لادن. كان بإمكانه وهو منذ زمن يرسل أشرطته الى قناة الجزيرة، إيجاد الوقت للحديث ولو بكلمة واحدة عن معانات الويغور. لكن لا، لم يفعل. فهو لا يبالي بالامر تماما. ففي بيانه الأخير، قال انه يفضل أن يهدد البابا انتقاما لدوره المزعوم في إعادة نشر رسومات عن محمد ... أنا لا أعرف أي موزع اختار بن لادن لمواصلة مخبأه، ولكن بصراحة، وأقل ما يمكننا قوله هو أن أسلاكه لا تلتقط جيداً أي شيء. يجب على أن يشرح له أن البابا ليس رئيسا لأوروبا. ناهيك عن مدير النشر لشارلي ابدو. إننا لسنا في الصين ولا في عالم يحلم به الأصوليين. فإننا كما نستطيع دعم الحق في عدم الاحترام الديني قد نتضامن مع الأقليات الدينية المظلومة. اليوم، أصبحت جمعيات منظمة العفو الدولية لحقوق الانسان من مؤيدي الويغور. في حين أن الإسلامويين أنفسهم، لا يولون للأمر أهمية.

للتاريخ : هذا أول عمود لي في فرنسا الثقافة. وذلك بفضل المايكروفون الذي مدّه إليّ علي بادو. فهي المحاولة الأولى لترويض هذه العملية الدقيقة والمكلِّفة في نفس الوقت: ثلاثة دقائق مدوية وبكامل أطياف أنفاسك حتى تقُصَّ حكاية ما. وفي هذا الاستكشاف الأولى، أردت أن أعطي صوتي الذي لا يزال خجولا، للويغور، وهم أقلية مسلم غير معروفة. كنت قد التقيت للتو في أمستردام مع حاملة خطابهم المشهورة: ربيعة قدير. أردت أن أتحدث عن معركتها لعدة أسباب. لإظهار أن الشمولية ليس في أي حال متعارضة مع تقديم الدعم للأقليات الثقافية والدينية عندما يتم اضطهادها. وكذلك لأن تاريخ هذا الشعب لا يسمح بالتركيز على مواضيع غالبا ما ينظر اليها بمنظار يعكس الشرخ الذي يفصل الشرق عن الغرب أو 11 سبتمبر ... وقمت باستغلال هذه اللحظة، المهمة جدا في مجال الصحافة، والذي مدَّني بها هذه المرة جديد أخبار الألعاب الأولمبية في الصين.

كارولين فوريست  في كتابها "عندما يتحلى اليسار بالشجاعة"

الجمعة، 29 فبراير، 2008

تصفية المساكن ذوي القيمة الكرائية المعتدلة

يقوم التجاركل سنة بتصفية السلع التي لم تحض باهتمام المستهلكين. لذلك قامت الدولة بتصفية 40000 وحدة من السكن الاجتماعي. وعاودة الكرة كل سنة. بحيث وصلت الى حدود 2010  في تصفيتها الى ما لا يقل عن بيع 140000 وحدة سكنية اجتماعية. وهذا هو الهدف الذي حدده وزير السكن. وكان الملاك الاجتماعيين ياملون الى ثنيه عن هذا العمل. لكن رئيس الجمهورية أكد على ضرورة القيام بذلك خلال العرض الذي قدّمه عن البرنامج المخصص للضواحي. ويبدو ان لا شيء يمكنه توقيف البيع. عناد مدهش. اذ ان فرنسا أكثر حاجة مما مضى  الى استئجار مساكن بأسعار معقولة. فالارتفاع المهول الذي عرفته أسعار المنازل، كرس يوما بعد يوم فجوة الفوارق الاجتماعية. فإذا الطبقات المتوسطة كافحت من أجل البقاء وسط المدينة، فقد تنازلت الطبقات الشعبية عن فكرة العيش يوما فيها، وأصبح يتوارى بالتالي المزيج الاجتماعي.
لمحاربة هذا التقوقع والانطواء القومي، تتوفرالدولة الفرنسية على أداة رئيسية:
السكن الاجتماعي. فهي لوحدها تستطيع إعادة توزيع الاوراق و
تهوية وإعطاء نفس جديد للمزيج الاجتماعي. هذه هي الأداة التي تريد الحكومة اثخانها بالتضحية سنويا بنسبة 1٪ من المساكن المخصصة للكراء تحت شعار "جميعا ملاك! ". إننا نسعى إلى تفسير منطقي. ومن الصعب العثور عليها. 

وبصرف النظر عن حلم هذا المرشح ساركوزي نجد حلم "فرنسا الملاك". انها وصفة جميلة مثل تاتشر، ولكن خارجة شيئا ما عن السياق بالطبع في فرنسا سنة 2000 ، الجميع يحلم بشقة جميلة في نويي تطل على نهر السين، والتي
تم إنجازأشغال بنائها بثمن بخس من قبل مقاول حريص على نيل الاعجاب. ولكن الواقع في سين سان دوني ليس تماما هو واقع نويي. ففي 1993، كلّما أرادت الدولة تشجيع الملكية الخاصة لدوي الدخل المحدود نتيجة سياسة الإسكان يتحول الحلم الى كابوس.
عندما يُتقل الدّين كَهِل الأسر بعد اقتنائهم
شقة، فانهم لا يستطيعون تسديد ثمن صيانة المرافق المشتركة. والنتيجة هي واضحة للعين المجردة. عكس الاعتقاد الشائع، فأكثر الأحياء تدهورا في فرنسا ليس أحياء المساكن ذو الاكرية المعتدلة بل المساكن ذوي الملكية المشتركة، فهم وحدات سكنية آيلة للسقوط، و تمثل حوالي نسبة 40٪ من المساكن في بعض الأحياء الصعبة. وربما ليس من محض الصدفة أن أعمال الشغب الأكثر خطورة في السنوات الأخيرة هي أساسا ترتكز في هذه الوحدات السكنية ذات الملكية المشتركة. مثل لاسوغيزي في فيلييه لو بيل أو الحي شين بوانتي في كليشي سوبوا.

وتُمثل مدينة بوسكيه في مونتفيرميل مثالا آخرا مأساويا . ففي سنة 1960، لقد اعتقد المستثمرون
أنهم أنجزوا صفقة العمر عند شراء الكثيرمن البقع في البلدة الرئيسية المسمات سابقا ب "مونت فيرمي"، الا انه ما كان مبدئيا سيساعد على فك العزلة عن المنطقة من خلال مشروع الربط بالطريق السيار، أصبح مهجورا. فقد تم بيع البقع للفرنسيين القابلين على هذا الوضع اي ذوي الدخل المحدود والمنحدرين من الهجرة. فلم يتوفق غالبيتهم من توظيف وكيل الملكية المشتركة مما جعلهم منذ منتصف 1970 يتخبطون في ورطة كبيرة. سيتم تصفيت الشركة المدنية للبناء بوسكيه سنة 1980 مما اضطرت معه الدولة والسلطات المحلية في اعادة شراء تدريجيا السكن لتجنب الأسوأ. وجاء ذلك في وقت متأخر قليلا. اذ عجزت الدولة عن اقتناء ما يكفي من المساكن المجوارة لبعضها البعض حتى تستطيع تغيير المشهد الحضري والاجتماعي.

وأصبحت المساكن ذوي الاكرية المعتدلة تتعايش مع ما تبقى من آثار
الملكية المشتركة: خراب المباني، بأبوابها المعنفة، وعلب بريدية معوجة، وسلالم خطيرة. كما تغطي الرسوم الجدرانية المعادية للشرطة ولليهود، المباني . والصحفيين القلائل الذين يجرؤن المغامرة هناك يحكون عن صور تنم عن أماكن مهجورة. و يقوم بعض مشعلي الحرائق السياسيين باستغلال الظرف للتنديد باستقالة السلطات العمومية وإثارت الغضب ضد الدولة ... تلك الدولة التي لا علاقة لها بالامر، لأن الصيانة من مسؤولية الملاك.

يبقى الحل الوحيد للخروج من هذا المازق، بسيطا ولكنها مكلف:
استرداد هذه الوحدات السكنية ذات الملكية المشتركة، ودمجها بالمساكن ذوي الاكرية المعتدلة، وإعادة تأهيلهاو صيانتها واعادت تنظيم هذا المزيج الاجتماعي. هذه هي احدى النتائج التي أدلى بها بورلو في مخطط برنامجه. غير أن الخطة الطموحة  لاعادة الهيكلة الحضرية اختارت بدلا من الشراء ثم إعادة التأهيل، تدميرالمباني واعادة بنائها. الا ان البناء يحتاج الى وقت. بينما تقوم الرافعات بتفعيل المخطط بلطف، انهار المزيج الاجتماعي وسقط الناس وتعفن المناخ. ماذا قد يحصل اذا قامت الدولة بتحمل مخاطر إضافة 140000سكن خاص الذي يسيره الأسر ذوي الدخل المحدود، اضافة الى تلك الوحدات السكنية ذات الملكية المشتركة التي في حوزتها والتي تواجه نفس الصعوبات؟ هل علينا تلغيم الأحياء الشعبية بمساكن خاصة، يصعب على الدولة استعادة السيطرة عليها في حالة وجود مشكلة ؟ لماذا، إن لم يكن أيديولوجيا؟ فالولوج إلى الملكية، في كل مكان، مهما كان الثمن وبأي ثمن.فمن المؤكد أن الاتفاق الذي استطاعت الدولة انتزاعه من الملاك الاجتماعيين يعهد ببناء سكنين اجتماعيين لكل سكن تم بيعه. لكن في الوقت نفسه، قد تفقد الدولة هامش صلاحياتها في مكافحة اليوم عدم المساواة في الولوج الى السكن.

خاصة انه ليس هناك ما يضمن احترام هذه الوعود. فقد تفتقد الدولة الى الموارد المالية الازمة إذا اضطرت اقتناء المباني -التي تم تفويتها لوكيل الملكية المشتركة- في حالة استعجال وقت تصفيتها خلال الخطة "الألفية" لمخطط الضواحي والتي لن يقبل عليها اي فرنسي مادام "لا يوجد شيء يمكن انجازه على القط". في حين
أن هذه الخطة، إذا كانت إيجابية في بعض الجوانب، تحمل بطيها خللا رئيسيا منذ البداية. انه الخلل الإيديولوجي.

كارولين فوريست في جريدة لوموند


"عندما يتحلا اليسار بالشجاعة" دار النشر غراسييه 2012

الخميس، 14 فبراير، 2008

المنشقين عن التيار الإسلاموي


لا يشتغل المنشقون في الظل ولا يوزِنون كلامهم. إنهم يقاومون. وإن فضَّلوا التبسيط عن الانسحاب. فقد رفض سولجينتسين التمييز بين اليوتوبيا الماركسية والشيوعية الشمولية المستبدة. هل كان ذلك دوره؟ كان يخدم مصلحة معسكر ضد آخر. وهل يمكن أن يكون الوضع غير ذلك؟ هل كان عليه مقاطعة أرخبيل الكولاك  (معسكرات العمل), هل رفض سماع صريخه بحجة بعض التجاوزات؟ أو على العكس من ذلك، كان من المفروض التنازل عن تسليط الضوء على هذه التجاوزات ذريعة للاتحاد المقدس ضد الاستبداد والشمولية؟ نفس الأسئلة تطرح نفسها اليوم عن المنشقين عن التيار الإسلاموي. فمنهم من خرج من الإسلام حتى لا يُقتل أو يجري توصيفه كخائن. ومنهن من أجبرن على الزواج، وارتداء الحجاب، وتحمُّل الشكوك والشتائم والسب. لقد قاومن. ولكن لتفضيل التمرد على الخضوع، يجب التوفر على مزاج صلب.

الصلب الذي لا نستطيع لويه بسهولة ليتسنى لنا صناعة السبائك. البعض يرفض التمييز بين الإسلام والإسلاموية. حتى انهم يتحدثون عن الفاشية الجديدة لأيديولوجية التي باسمها حاولوا اخضاعهم بطريقة استبدادية أو حتى شمولية. كيف نطلب منهم الاشتغال في الظل أو وزن كلماتهم؟ في كثير من الأحيان ليس لهؤلاء إلا أوروبا للصراخ. ففي كل ارجاء العالم، سوف يتم تكميم أفواههم.
ولكن حتى في أوروبا، يُطلب منهم التعبير بصوت خافت. فبعض اليساريين يخشون إثارة الكراهية والخلط، في سياق تعتبر كل كلمة ضد الإسلام من شانها ان تكون ذريعة للعنصرية. وبعض أنصار اليمين يحبون الاستماع لصراخهم ولكنهم لا ينصتون لهم. تلك اليمين التي تدّعي محاربة التعصب بتعقيد وتشديد شروط الحصول على وضع اللاجئ السياسي، بمعنى آخر، التي تطالب بإغلاق حدودنا للرجال والنساء الذين يفرون أحيانا من التقاليد والدين. فمن شدة تعبهم من ضرورة مقاومة الديمقراطيين من جميع المشارب إضافة لمقاومة المتعصبين، يجد بعضهم ملجأ في الولايات المتحدة. كالكاتب سلمان رشدي. كالنائبة الهولندية أيان هيرسي علي، والتي تشتغل اليوم هناك.

يبدو الخيار منطقي بالنسبة للمنشقين الشيوعيين. هو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للمنشقين من الإسلاموية. كجنة لرافضي الشيوعية، ليس لأمريكا القدرة على أن تصبح جنة للكافرين. أوروبا وحدها يمكنها أن تجسد أرض اللجوء. يتوقف مصيرها طبعا على تطور العلمانية في بولندا وتركيا، ولكنه يتوقف أيضا على تطور العلمانية في بريطانيا العظمى، وهولندا وفرنسا. فحالة أيان هيرسي علي هي واحدة من تلك التجارب التي تسمح لنا تصور المصير الذي سوف تختاره.

هذا هو مضمون السؤال الكتابي الذي تقدم به بينوا هامون   ثلاثة أعضاء البرلمان الأوروبي الاشتراكي لطلب الاتحاد الأوروبي تمويل حمايتها، أينما كانت. هذا هو الأمل الذي جسده اقتراح وزيرة الخارجية راما ياد  ، التي كانت ترغب في استغلال رئاسة فرنسا لتحفيز الصندوق الأوروبي تمويل حماية المفكرين الأحرار المهدّدين.
هذا الاتحاد المقدس لأوروبا الذي يقاوم التعصب يجب ألا يدفعنا إلى التخلي عن أي فوارق دقيقة أو وزن في الكلام؟ بالطبع لا. هناك العديد من الطرق لمحاربة هذه الشمولية الجديدة من التطرف. والمواقف جميعها ليست متساوية.

هناك من هم يناضلون ضد الإسلاموية باسم هوية قائمة على "جذور مسيحية" : النموذج المفترض حتى اليوم ل"الرابطة الوطنية". فهؤلاء لا يدافعون عن العلمانية، التي يريدون تليينها لصالح الشأن الديني. ليس لديهم أي شيء ضد الشأن الديني في حد ذاته، فإنهم يرونه حتى في قلب كل إنسان. انهم مناصرين للهوية المسيحية ويؤمنون باصطدام «الإسلام بالغرب."

معركتهم مختلفة جدا، وحتى معاكسة للعلمانيين أصليين، سواء كانوا متدينين أو ملحدين أو غنوصيين. هؤلاء يناضلون ضد تدخل الشأن الديني، سواء يهودي، مسيحي، مسلم أو بوذي. لكن الخطر المتزايد للإسلاموية هو الذي يجعلهم اليوم يقودون معركة خصوصا ضد الإسلاموية، وحتى ضد الإسلام، لأن الدين يستعمل كذريعة من قبل المتعصبين. هؤلاء لا يدافعون عن الهوية المسيحية ولكن عن العلمانية والعلمانية الفرنسية. إنهم لا يؤمنون إلا اصطدام "التعصب بالعلمانية".

فبين هذين الركنين، أحيانا تطمس الحدود. وخصوصا عندما تشتد الصفوف حول هؤلاء الذي يهددهم العدو المشترك بالقتل. فالمنشقين هم أنفسهم يبحرون بين الركنين وقد يبتكرون أعداء آخرون، دائما أكثر راديكالية. إن تقديم الطلب إليهم بالتزام الصمت من شأنه أن يجعل لنا شركاء من أولئك الذين يودون إسكاتهم. وتقديس كلماتهم، ورفض كل انتقاد في حقهم، من شانه "تهريبهم" من كل حوار ديمقراطي وجعلهم رموز. نحن شئنا أم أبينا، كنا متفقين ام لا مع فواصلِهم، علينا الدفاع عنهم ضد أولئك الذين يفضلون الصمت من اصدار أي خطأ نحوي. ولكن يجب علينا أيضا عدم تبسيط قواعد لغتنا. دور المثقفين هو النضال حتى يتمكنوا من التفكير مجددا وهم في مأمن من الخطر. وحتى من خلال تشجيع الاتحاد من حولهم. من دون قتل روح النقد التي نرغب فعلا إنقاذها.

للتاريخ: عندما تم نشر هذا النص، كانت أيان هيرسي علي تسعى للإيجاد الأموال لحمايتها. تخضع هذه النائبة الهولندية السابقة من أصل صومالي لتهديدات بالقتل منذ تصريحاتها الأولى ضد التيار الإسلاموي وخاصة منذ أن كتبت سيناريو الفيلم "الخضوع" ، و الذي قُتل بسببه المخرج السينمائي ثيو فان جوخ  . لقد قمت بإقناع بينوا هامون، البرلماني الاشتراكي لعرض في البرلمان مقترح لتمويل حمايتها من قبل البرلمان الأوروبي. وقام برنار هنري ليفي، الذي يعرف أيضا أيان، باحياء أمسية كبيرة للدعم في المدرسة العليا  عند مجيئه إلى باريس. وكان ذلك بحضور وزير الدولة لشؤون حقوق الإنسان راما ياد، وعددا من الشخصيات وحشد كبير ظل في الباب لعدم اتساع المكان. غير أن صندوق الدعم الأوروبي الذي اقترحته راما ياد في تلك الليلة، على الرغم من تغطية إعلامية قوية جدا، لم يرى النور. والمقترح الذي قدمه بينوا هامون لم يتم التصديق عليه من قبل عدد كاف من أعضاء البرلمان الأوروبي. ولتمويل حمايتها، لجات أيان حرسي علي لمفكرين أمريكيين المحافظين الجدد . هذه حقيقة محزنة بالنسبة لي ولكنها لن تمنعني من الاستمرار في مواصلة حملة احداث صندوق أوروبي لضمان حماية الأشخاص المهددين بالموت من أجل معتقداتهم ...


  كارولين فوريست في كتابها "عندما يتحلى اليسار بالشجاعة"



الجمعة، 18 يناير، 2008

التنوع ضد المساواة

 هي ثورة معاكسة صغيرة قادمة لا محالة. بحجة محاربة كل اشكال التمييز، فقد رغِب رئيس الجمهورية في تسجيل "التنوع" في ديباجة الدستور. وأعتبر هذا الإعلان شعبوي. هل تم قياس جديا مدى رمزية هذا التتويج؟
فديباجة دستور عام 1958 "يعلن رسميا التزامه بحقوق الإنسان ومبادئ السيادة الوطنية على النحو الذي حدده إعلان سنة 1789، كما تم تأكيده وتتميمه في ديباجة دستور 1946 ".

ففي مادته الأولى، يقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ان "الرجال يولدون ويبقون أحرارا ومتساويي الحقوق. فلا يمكن تأسيس التمييز الاجتماعي الا لفائدة الصالح العام ". فديباجة دستور 1946، التي تنص عن المساواة بين الجنسين، تضيف أنه "لا يجوز لأحد أن يتعرض للأذى، في عمله أو وظيفته بسبب أصله، أو آراءه أو معتقدات ". هذا يعني أن المساواة بين الجميع تشكل جوهر الدستور الحالي. لماذا نريد إذاً ادخال كلمة "التنوع"، إضافة إلى كلمة "المساواة"؟

السبب على ما يبدو تقني. فباسم المساواة، قام المجلس الدستوري مؤخرا بإبطال الفصل 63 من قوانين أورتوفو Hortefeux التي تنص على إنشاء الإحصائيات العرقية والتي تدعا "التنوع". قد يثير هذا الأمر استياء المتفائلين لكن الغرض من هذه الإحصائيات لا تهدف إلى قياس التمييز والتحيز -فهذه الدراسات متوفرة بالفعل – بقدر ما تسمح التعقب الحقيقي للأقليات، وذلك من أجل الاستخدام السياسي لها والتي عاجلا ما سوف تنزلق هذه الاحصائيات من ايدي العلماء ذوي النوايا الحسنة. ويبدو أن هذه النوايا السياسية تحاول الالتفاف على هذا الحاجز الدستوري، بإضافة لفظ "التنوع" -ثمرة ميول وسائل الاعلام مؤخرا – لشعار "الحرية، المساواة، الإخاء". وبدون شك، هذه الاضافة تأسس لانتصار الحق في الاختلاف على الحق في اللامبالاة في التساوي. وهذا بعيد أساسا بالذات عن إرث الثورة الفرنسية، بل يقرِّبنا أكثر من التصور الأنجلوسكسوني بامتياز، فأكثر مفارقة وأكثر طائفية. وذلك بالتّأكيد على ما يفرِّق بيننا وليس بالتّأكيد على ما يجمعنا. فعن أي تنوُّع نتكلم نحن؟ ما هي تلك الاختلافات المهمة التي تجعل منا كائنات "مختلفة" وليس متشابهة؟ أهو لون الجلد، ام أصل آبائنا أم ديننا؟ هل هذا حقا ما يجعل منّا مواطنين مختلفين الى درجة تشكيل مكونات كوكتيل جمهوري غريب وعجيب؟

يبدو أن الفكرة قد نالت الاعجاب. ومن المؤكد أن استخدام كلمة "التنوع" لديه ميزة في الكفاح ضد الإغواء بحصر استعمال "الرجل" في الإعلان العالمي، في صيغته المهيمنة. لكنه يجب الانتباه عند إساءة استعمال اللغة. فاستخدام كلمة "التنوع" لإيقاظ أوجه النظر في وسائل الإعلام تبدو ايجابية ولكن بشكل عابر. فيمكن استحضارعلى سبيل المثال، تنصيب النماذج المنبثقة من الأقلية المرئية في مناصب مسؤولية في الحكومة أو تجديد النخب على هذا المنوال. وهذا لا يمت بصلة ادخال كلمة "التنوع" في ديباجة الدستور. عندما تصبح كلمة "التنوع" محفورة، سيكون لها تأثير على السياسات العامة. فمكافحة عدم المساواة، التي يصعب تحقيقها على المدى القصير، قد يتم التخلي عنها مقابل سياسة آثارها آنية، وظهورها بارز، سياسة يتم دردرة الغبار العرقي عليها. وبدون ذكر اسمها، لأن هذا غير مرغوب فيه، فهذا "التمييز الإيجابي" سوف يخفي وبلا شك، استمرار الفوارق والتفاوتات في العمق.

ليس هناك من هو ضد فكرة إعطاء المزيد لمن لديهم القليل. فالنقاش الوحيد يدور حول طبيعة المعايير المعتمدة. وقد أسفر هذا الطموح حتى الآن عن وضع سياسات تهدف الى تصحيح عدم المساواة استنادا إلى المعايير الاجتماعية والاقتصادية، مثل توفير موارد إضافية لمناطق التعليم ذات الأولوية. وعيا بالتوفير التي يحققه نهج مثل هذه السياسات، فقد قرر الرئيس القيام بهذه الموازنات ليس على أساس "المجال" ولكن على أساس "الأفراد". خصوصا اتجاه الأفراد الذين هم "لون بشرتهم تختلف عن بشرة الأغلبية." غير انه إذا كان المعيار "العرقي " يحل محل المعيار الاجتماعي، فابن دبلوماسي اسود مثلا يعيش في الدائرة السادسة عشرة يمكن أن يستفيد من التعويضات والمساعدات التي قد نرفضها لنجل أحد العمال الذي يعيش في سين سان دنيس.

فتخيلوا فرضية التصعيد التي قد تمارسه الضحايا والاستياء الطائفي التي قد تولده هذه المقاربة؟ الى جانب الطبيعة الغير هادفة لهذه التدابير بالنسبة لمن مورس عليهم التمييز أنفسهم. إذا كان ابن الدبلوماسي الاسود لا يحتاج الى مساعدة الدولة للدراسة، فإنه يحتاج الى تراجع العنصرية ضد السود. ف"التمييز الإيجابي" الذي يتمثل في التعيين في مناصب مسؤولية وفق معايير عرقية، بغض النظر عن ظروف الموارد، سيعتبر على التو "امتياز". وعلى المدى البعيد، "فالكيل بمكيالين" قد يبرر توقف الفرنسيين عن الاحساس بالذنب، وبالتالي توقفهم عن تفكيك احكامهم المسبقة اتجاه الأقليات. أما بالنسبة للأقلية الناجحة، فمؤهلاتها سوف توضع محل شك، حتى لو لم تحصل أبدا على امتياز معين.

ان الآثار التي سوف يتم غالبا الحصول عليها سوف تكون مغايرة للأثار المرتقبة. فبعد سنوات من الاحساس بالوعي المناهض للعنصرية، نقوم بتدشين عملية تفضيلية تحيي من جديد الأحكام المسبقة. وفي نهاية المطاف، قد يحل احترام "التنوع" محلّ البحث عن المساواة وقد يتعارض أيضا معها.

للتاريخ: هذا العمود هو الأول في صحيفة لوموند وبداية لصراع طويل ضد موضة عرض "التنوع" للإخفاء الافضل لغرض الإقلاع عن مفهوم المساواة.


كارولين فوريست في كتابها "عندما يتحلى اليسار بالشجاعة"

لوموند، 18 يناير 2008