الجمعة، 29 فبراير، 2008

تصفية المساكن ذوي القيمة الكرائية المعتدلة

يقوم التجاركل سنة بتصفية السلع التي لم تحض باهتمام المستهلكين. لذلك قامت الدولة بتصفية 40000 وحدة من السكن الاجتماعي. وعاودة الكرة كل سنة. بحيث وصلت الى حدود 2010  في تصفيتها الى ما لا يقل عن بيع 140000 وحدة سكنية اجتماعية. وهذا هو الهدف الذي حدده وزير السكن. وكان الملاك الاجتماعيين ياملون الى ثنيه عن هذا العمل. لكن رئيس الجمهورية أكد على ضرورة القيام بذلك خلال العرض الذي قدّمه عن البرنامج المخصص للضواحي. ويبدو ان لا شيء يمكنه توقيف البيع. عناد مدهش. اذ ان فرنسا أكثر حاجة مما مضى  الى استئجار مساكن بأسعار معقولة. فالارتفاع المهول الذي عرفته أسعار المنازل، كرس يوما بعد يوم فجوة الفوارق الاجتماعية. فإذا الطبقات المتوسطة كافحت من أجل البقاء وسط المدينة، فقد تنازلت الطبقات الشعبية عن فكرة العيش يوما فيها، وأصبح يتوارى بالتالي المزيج الاجتماعي.
لمحاربة هذا التقوقع والانطواء القومي، تتوفرالدولة الفرنسية على أداة رئيسية:
السكن الاجتماعي. فهي لوحدها تستطيع إعادة توزيع الاوراق و
تهوية وإعطاء نفس جديد للمزيج الاجتماعي. هذه هي الأداة التي تريد الحكومة اثخانها بالتضحية سنويا بنسبة 1٪ من المساكن المخصصة للكراء تحت شعار "جميعا ملاك! ". إننا نسعى إلى تفسير منطقي. ومن الصعب العثور عليها. 

وبصرف النظر عن حلم هذا المرشح ساركوزي نجد حلم "فرنسا الملاك". انها وصفة جميلة مثل تاتشر، ولكن خارجة شيئا ما عن السياق بالطبع في فرنسا سنة 2000 ، الجميع يحلم بشقة جميلة في نويي تطل على نهر السين، والتي
تم إنجازأشغال بنائها بثمن بخس من قبل مقاول حريص على نيل الاعجاب. ولكن الواقع في سين سان دوني ليس تماما هو واقع نويي. ففي 1993، كلّما أرادت الدولة تشجيع الملكية الخاصة لدوي الدخل المحدود نتيجة سياسة الإسكان يتحول الحلم الى كابوس.
عندما يُتقل الدّين كَهِل الأسر بعد اقتنائهم
شقة، فانهم لا يستطيعون تسديد ثمن صيانة المرافق المشتركة. والنتيجة هي واضحة للعين المجردة. عكس الاعتقاد الشائع، فأكثر الأحياء تدهورا في فرنسا ليس أحياء المساكن ذو الاكرية المعتدلة بل المساكن ذوي الملكية المشتركة، فهم وحدات سكنية آيلة للسقوط، و تمثل حوالي نسبة 40٪ من المساكن في بعض الأحياء الصعبة. وربما ليس من محض الصدفة أن أعمال الشغب الأكثر خطورة في السنوات الأخيرة هي أساسا ترتكز في هذه الوحدات السكنية ذات الملكية المشتركة. مثل لاسوغيزي في فيلييه لو بيل أو الحي شين بوانتي في كليشي سوبوا.

وتُمثل مدينة بوسكيه في مونتفيرميل مثالا آخرا مأساويا . ففي سنة 1960، لقد اعتقد المستثمرون
أنهم أنجزوا صفقة العمر عند شراء الكثيرمن البقع في البلدة الرئيسية المسمات سابقا ب "مونت فيرمي"، الا انه ما كان مبدئيا سيساعد على فك العزلة عن المنطقة من خلال مشروع الربط بالطريق السيار، أصبح مهجورا. فقد تم بيع البقع للفرنسيين القابلين على هذا الوضع اي ذوي الدخل المحدود والمنحدرين من الهجرة. فلم يتوفق غالبيتهم من توظيف وكيل الملكية المشتركة مما جعلهم منذ منتصف 1970 يتخبطون في ورطة كبيرة. سيتم تصفيت الشركة المدنية للبناء بوسكيه سنة 1980 مما اضطرت معه الدولة والسلطات المحلية في اعادة شراء تدريجيا السكن لتجنب الأسوأ. وجاء ذلك في وقت متأخر قليلا. اذ عجزت الدولة عن اقتناء ما يكفي من المساكن المجوارة لبعضها البعض حتى تستطيع تغيير المشهد الحضري والاجتماعي.

وأصبحت المساكن ذوي الاكرية المعتدلة تتعايش مع ما تبقى من آثار
الملكية المشتركة: خراب المباني، بأبوابها المعنفة، وعلب بريدية معوجة، وسلالم خطيرة. كما تغطي الرسوم الجدرانية المعادية للشرطة ولليهود، المباني . والصحفيين القلائل الذين يجرؤن المغامرة هناك يحكون عن صور تنم عن أماكن مهجورة. و يقوم بعض مشعلي الحرائق السياسيين باستغلال الظرف للتنديد باستقالة السلطات العمومية وإثارت الغضب ضد الدولة ... تلك الدولة التي لا علاقة لها بالامر، لأن الصيانة من مسؤولية الملاك.

يبقى الحل الوحيد للخروج من هذا المازق، بسيطا ولكنها مكلف:
استرداد هذه الوحدات السكنية ذات الملكية المشتركة، ودمجها بالمساكن ذوي الاكرية المعتدلة، وإعادة تأهيلهاو صيانتها واعادت تنظيم هذا المزيج الاجتماعي. هذه هي احدى النتائج التي أدلى بها بورلو في مخطط برنامجه. غير أن الخطة الطموحة  لاعادة الهيكلة الحضرية اختارت بدلا من الشراء ثم إعادة التأهيل، تدميرالمباني واعادة بنائها. الا ان البناء يحتاج الى وقت. بينما تقوم الرافعات بتفعيل المخطط بلطف، انهار المزيج الاجتماعي وسقط الناس وتعفن المناخ. ماذا قد يحصل اذا قامت الدولة بتحمل مخاطر إضافة 140000سكن خاص الذي يسيره الأسر ذوي الدخل المحدود، اضافة الى تلك الوحدات السكنية ذات الملكية المشتركة التي في حوزتها والتي تواجه نفس الصعوبات؟ هل علينا تلغيم الأحياء الشعبية بمساكن خاصة، يصعب على الدولة استعادة السيطرة عليها في حالة وجود مشكلة ؟ لماذا، إن لم يكن أيديولوجيا؟ فالولوج إلى الملكية، في كل مكان، مهما كان الثمن وبأي ثمن.فمن المؤكد أن الاتفاق الذي استطاعت الدولة انتزاعه من الملاك الاجتماعيين يعهد ببناء سكنين اجتماعيين لكل سكن تم بيعه. لكن في الوقت نفسه، قد تفقد الدولة هامش صلاحياتها في مكافحة اليوم عدم المساواة في الولوج الى السكن.

خاصة انه ليس هناك ما يضمن احترام هذه الوعود. فقد تفتقد الدولة الى الموارد المالية الازمة إذا اضطرت اقتناء المباني -التي تم تفويتها لوكيل الملكية المشتركة- في حالة استعجال وقت تصفيتها خلال الخطة "الألفية" لمخطط الضواحي والتي لن يقبل عليها اي فرنسي مادام "لا يوجد شيء يمكن انجازه على القط". في حين
أن هذه الخطة، إذا كانت إيجابية في بعض الجوانب، تحمل بطيها خللا رئيسيا منذ البداية. انه الخلل الإيديولوجي.

كارولين فوريست في جريدة لوموند


"عندما يتحلا اليسار بالشجاعة" دار النشر غراسييه 2012

الخميس، 14 فبراير، 2008

المنشقين عن التيار الإسلاموي


لا يشتغل المنشقون في الظل ولا يوزِنون كلامهم. إنهم يقاومون. وإن فضَّلوا التبسيط عن الانسحاب. فقد رفض سولجينتسين التمييز بين اليوتوبيا الماركسية والشيوعية الشمولية المستبدة. هل كان ذلك دوره؟ كان يخدم مصلحة معسكر ضد آخر. وهل يمكن أن يكون الوضع غير ذلك؟ هل كان عليه مقاطعة أرخبيل الكولاك  (معسكرات العمل), هل رفض سماع صريخه بحجة بعض التجاوزات؟ أو على العكس من ذلك، كان من المفروض التنازل عن تسليط الضوء على هذه التجاوزات ذريعة للاتحاد المقدس ضد الاستبداد والشمولية؟ نفس الأسئلة تطرح نفسها اليوم عن المنشقين عن التيار الإسلاموي. فمنهم من خرج من الإسلام حتى لا يُقتل أو يجري توصيفه كخائن. ومنهن من أجبرن على الزواج، وارتداء الحجاب، وتحمُّل الشكوك والشتائم والسب. لقد قاومن. ولكن لتفضيل التمرد على الخضوع، يجب التوفر على مزاج صلب.

الصلب الذي لا نستطيع لويه بسهولة ليتسنى لنا صناعة السبائك. البعض يرفض التمييز بين الإسلام والإسلاموية. حتى انهم يتحدثون عن الفاشية الجديدة لأيديولوجية التي باسمها حاولوا اخضاعهم بطريقة استبدادية أو حتى شمولية. كيف نطلب منهم الاشتغال في الظل أو وزن كلماتهم؟ في كثير من الأحيان ليس لهؤلاء إلا أوروبا للصراخ. ففي كل ارجاء العالم، سوف يتم تكميم أفواههم.
ولكن حتى في أوروبا، يُطلب منهم التعبير بصوت خافت. فبعض اليساريين يخشون إثارة الكراهية والخلط، في سياق تعتبر كل كلمة ضد الإسلام من شانها ان تكون ذريعة للعنصرية. وبعض أنصار اليمين يحبون الاستماع لصراخهم ولكنهم لا ينصتون لهم. تلك اليمين التي تدّعي محاربة التعصب بتعقيد وتشديد شروط الحصول على وضع اللاجئ السياسي، بمعنى آخر، التي تطالب بإغلاق حدودنا للرجال والنساء الذين يفرون أحيانا من التقاليد والدين. فمن شدة تعبهم من ضرورة مقاومة الديمقراطيين من جميع المشارب إضافة لمقاومة المتعصبين، يجد بعضهم ملجأ في الولايات المتحدة. كالكاتب سلمان رشدي. كالنائبة الهولندية أيان هيرسي علي، والتي تشتغل اليوم هناك.

يبدو الخيار منطقي بالنسبة للمنشقين الشيوعيين. هو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للمنشقين من الإسلاموية. كجنة لرافضي الشيوعية، ليس لأمريكا القدرة على أن تصبح جنة للكافرين. أوروبا وحدها يمكنها أن تجسد أرض اللجوء. يتوقف مصيرها طبعا على تطور العلمانية في بولندا وتركيا، ولكنه يتوقف أيضا على تطور العلمانية في بريطانيا العظمى، وهولندا وفرنسا. فحالة أيان هيرسي علي هي واحدة من تلك التجارب التي تسمح لنا تصور المصير الذي سوف تختاره.

هذا هو مضمون السؤال الكتابي الذي تقدم به بينوا هامون   ثلاثة أعضاء البرلمان الأوروبي الاشتراكي لطلب الاتحاد الأوروبي تمويل حمايتها، أينما كانت. هذا هو الأمل الذي جسده اقتراح وزيرة الخارجية راما ياد  ، التي كانت ترغب في استغلال رئاسة فرنسا لتحفيز الصندوق الأوروبي تمويل حماية المفكرين الأحرار المهدّدين.
هذا الاتحاد المقدس لأوروبا الذي يقاوم التعصب يجب ألا يدفعنا إلى التخلي عن أي فوارق دقيقة أو وزن في الكلام؟ بالطبع لا. هناك العديد من الطرق لمحاربة هذه الشمولية الجديدة من التطرف. والمواقف جميعها ليست متساوية.

هناك من هم يناضلون ضد الإسلاموية باسم هوية قائمة على "جذور مسيحية" : النموذج المفترض حتى اليوم ل"الرابطة الوطنية". فهؤلاء لا يدافعون عن العلمانية، التي يريدون تليينها لصالح الشأن الديني. ليس لديهم أي شيء ضد الشأن الديني في حد ذاته، فإنهم يرونه حتى في قلب كل إنسان. انهم مناصرين للهوية المسيحية ويؤمنون باصطدام «الإسلام بالغرب."

معركتهم مختلفة جدا، وحتى معاكسة للعلمانيين أصليين، سواء كانوا متدينين أو ملحدين أو غنوصيين. هؤلاء يناضلون ضد تدخل الشأن الديني، سواء يهودي، مسيحي، مسلم أو بوذي. لكن الخطر المتزايد للإسلاموية هو الذي يجعلهم اليوم يقودون معركة خصوصا ضد الإسلاموية، وحتى ضد الإسلام، لأن الدين يستعمل كذريعة من قبل المتعصبين. هؤلاء لا يدافعون عن الهوية المسيحية ولكن عن العلمانية والعلمانية الفرنسية. إنهم لا يؤمنون إلا اصطدام "التعصب بالعلمانية".

فبين هذين الركنين، أحيانا تطمس الحدود. وخصوصا عندما تشتد الصفوف حول هؤلاء الذي يهددهم العدو المشترك بالقتل. فالمنشقين هم أنفسهم يبحرون بين الركنين وقد يبتكرون أعداء آخرون، دائما أكثر راديكالية. إن تقديم الطلب إليهم بالتزام الصمت من شأنه أن يجعل لنا شركاء من أولئك الذين يودون إسكاتهم. وتقديس كلماتهم، ورفض كل انتقاد في حقهم، من شانه "تهريبهم" من كل حوار ديمقراطي وجعلهم رموز. نحن شئنا أم أبينا، كنا متفقين ام لا مع فواصلِهم، علينا الدفاع عنهم ضد أولئك الذين يفضلون الصمت من اصدار أي خطأ نحوي. ولكن يجب علينا أيضا عدم تبسيط قواعد لغتنا. دور المثقفين هو النضال حتى يتمكنوا من التفكير مجددا وهم في مأمن من الخطر. وحتى من خلال تشجيع الاتحاد من حولهم. من دون قتل روح النقد التي نرغب فعلا إنقاذها.

للتاريخ: عندما تم نشر هذا النص، كانت أيان هيرسي علي تسعى للإيجاد الأموال لحمايتها. تخضع هذه النائبة الهولندية السابقة من أصل صومالي لتهديدات بالقتل منذ تصريحاتها الأولى ضد التيار الإسلاموي وخاصة منذ أن كتبت سيناريو الفيلم "الخضوع" ، و الذي قُتل بسببه المخرج السينمائي ثيو فان جوخ  . لقد قمت بإقناع بينوا هامون، البرلماني الاشتراكي لعرض في البرلمان مقترح لتمويل حمايتها من قبل البرلمان الأوروبي. وقام برنار هنري ليفي، الذي يعرف أيضا أيان، باحياء أمسية كبيرة للدعم في المدرسة العليا  عند مجيئه إلى باريس. وكان ذلك بحضور وزير الدولة لشؤون حقوق الإنسان راما ياد، وعددا من الشخصيات وحشد كبير ظل في الباب لعدم اتساع المكان. غير أن صندوق الدعم الأوروبي الذي اقترحته راما ياد في تلك الليلة، على الرغم من تغطية إعلامية قوية جدا، لم يرى النور. والمقترح الذي قدمه بينوا هامون لم يتم التصديق عليه من قبل عدد كاف من أعضاء البرلمان الأوروبي. ولتمويل حمايتها، لجات أيان حرسي علي لمفكرين أمريكيين المحافظين الجدد . هذه حقيقة محزنة بالنسبة لي ولكنها لن تمنعني من الاستمرار في مواصلة حملة احداث صندوق أوروبي لضمان حماية الأشخاص المهددين بالموت من أجل معتقداتهم ...


  كارولين فوريست في كتابها "عندما يتحلى اليسار بالشجاعة"