الأربعاء، 26 مارس، 2014

الخطأ المصري


أصدر القضاء المصري مؤخرا حكما شنيعا. ونطقت محكمة المنيا بحكم الإعدام في حق 529 مناصرا لتنظيم الإخوان المسلمين، بتهمة قتل شرطي. فقد نسبت إليهم جنبا لجنب تهمة المشاركة و التحريض في اغتيال شرطي اثناء الاحتجاجات المساندة للرئيس الإسلاموي المعزول محمد مرسي، شهر أغسطس الماضي.
هذه الجريمة الجماعية التي يستحيل تجسيدها على أرض الواقع تؤدي إلى اصدار حكم شنيع. فليس هناك ما يبرر حكم الإعدام اطلاقا. إذ يجرد المجتمع الذي يمارسه من كل المواصفات الإنسانية. أما الحكم بالإعدام الجماعي في ظل محاكمة سياسية جماعية لا يمكنه إلا ان يفصح عن عدالة يمكن اعتبارها ببساطة "متوحشة"...جاءت في خدمة مسار سياسي مثير 
للقلق.
. بعد الحكم القضائي العبثي الذي استهدف صحافيي الجزيرة، أبان هذا الدليل الإضافي على أن النظام الانتقالي، الذي أفرزه «انقلاب شعبي»(بمسانده الملايين من المتظاهرين) لا "انقلاب سلطوي"، أبان أنه منحاز إلى الدولة القمعية. فلا بد أن يعيد هذا النظام الانتقالي وفي أسرع وقت ممكن مقاليد الأمور إلى الشعب، قبل فقدان الأمل في اعادة التأسيس الديمقراطي الذي استطاع هذا النظام تكريسه في خطاباته.

التهديد الإسلاموي والديمقراطية
كيفما كان اختلفنا حول قضية الإخوان المسلمين، وهم وبدون شك التنظيم الدولي الأكثر خطورة في العالم، فلاشيء يبرر استخدام أساليب تتعارض ومبادئ دولة الحق والقانون ضدهم. هو خطأ وقعت فيه الكثير من الحكومات العربية، طالبتها شعوبها، منذ الربيع الديمقراطي، بعدم تكراره. فكان يستوجب على الجنرال السيسي، الذي كما يبدو يحظى بشعبية فائقة، الإصغاء لنداء الشعب الذي أوصله الى السلطة، وذلك قبل أن تحوّل مرحلته الانتقالية المتطرفين من الاخوان المسلمين إلى شهداء..
قبل أن يكرر الجنرال السيسي أخطاء حقبة عبد الناصر ضد الإخوان برمتها.

عبد الناصر و الإخوان «الشهداء"
رغم تهديده من قبل جماعة الإخوان (التي طالبته بتطبيق الشريعة في حكم البلاد)، اعتقد جمال عبد الناصرانه بإمكانه القضاء على خطرالتطرف الذي كان في وقتها حقيقي، من خلال إنتهاك حقوق الإنسان. فلم يساهم اللجوءه الى محاكمات تعسفية، و التعذيب، والسجن الجماعي، والأحكام الجماعية..وكل الممارسات "الوحشية" للبوليس و القضاء المصري المعبأ آنذاك لكسر تنظيمهم، إلا في تعزيز صفوفهم و تقويتهم.
فالمشاهد المذاعة لمئات من قيادات الإخوان المسلمين سجناء داخل أقفاز ثم أحرار بعد إطلاق سراحهم أكثر تطرفا مما كانوا عليه، ساهمت في تشكيل الحلقة الجهنمية التي نعرفها جميعا. فقد أقدم السيد قطب، أحد قيادات الإخوان، من داخل السجن بتشريع قتل الحاكم الجائر واللجوء إلى الجهاد. وجاءت روايات أخرى عن التعذيب في السجون، وخاصة تلك التي يستخدم فيها الكلاب، سكنت مخيلة أجيال من الشباب المصري، وأدت بهم إلى اللجوء إلى التطرف الإسلاموي، رفضا منهم للنظام الناصري المستبد. بينما في وقتها كانت المعارضة الديمقراطية واللائكية، المحرومة من المساجد للقيام بتجمعاتها ومن الدعم المالي الخارجي، تتعرض لضغط مضاعف من القمع و العزل.
و نعلم جميعا ما ترتب عن ذلك. فقد تكتلت قيادات الإخوان المسلمين في المنفى، وفي الدول العربية الأخرى، وفي أوربا، حيث زرعوا سمهم و غيضهم وحضّروا جنودهم للانتقام والأخذ بالثأر .

الأضرار الجانبية الجزائرية...وكذلك التونسية؟
لقد دفع الجزائريون الثمن غاليا في الماضي. تكاد بلادهم تخرج من حرب نيل الإستقلال ، وحزب جبهة التحرير الوطني يبحث عن«تعريب» المدارس، بينما تفتقد البلاد لما هو أهم و بنيوي ألا وهم الأطر والأساتذة,. وأضحى "الأخ الأكبر" عبد الناصر جاهدا في إرسال مدرسين ينتمون، بالدرجة الأولى، للإخوان المسلمين، قصد التخلص منهم.
وصار الجيل الذي تخرج علي أيديهم يحفظ القرآن عن ظهر قلب، بلغة عربية لا يفهمها، الشيء الذي جعله ليس فقط يتجرد من هويته الثقافيه بل يعتنق التطرف و بالتالي يساهم في خراب الجزائر طوال سنوات سوداء خلفت أكثر من 100.000 قتيل.
. هل هذا هو المصير المظلم الذي تتمناه مصر الحالية لتونس؟ فمن بين مجموع 529 من المحكوم عليم بالإعدام 153 منهم فقط هم في حالة اعتقال. أم الباقي فهم أحرار طليقين باستطاعتهم اللجوء السياسي الى تونس حالة ما اعتمد الرئيس التونسي منصف المرزوقي، الحليف التاريخي للإسلامويين ، ذريعة "حقوق الإنسان"، لاستقبالهم. وهذا هوما يلوح في الأفق 
و ماهومتوقع.

يتحول "الخطأ المصري" إلى عبء إضافي ثقيل على تونس. فلم تخرج بعد من فترة نقاهتها اذ تعدو مهددة من جديد برجوع مجاهدوها المتواجدون في سوريا. فالربيع العربي، الذي خرج أخيرا من الشتاء، يمكن له أن يعود اليه من جديد. والإخوان المسلمين، المنظمون مجددا تحت لواء الشهداء سوف يفسدونه ثانية، وحينها سيدومون هذه المرة لفترة أطول.

كارولين فورست