السبت، 3 أبريل، 2010

"آخر يوتوبيا" : والشمولية المستنيرة (مقابلة مع كارولين فوريست)



عرف الجمهور كارولين فوريست عن طريق كتابها "الأخ طارق" الذي تندد فيه بالخطاب المزدوج لطارق رمضان، فكارولين فورست مثقفة وملتزمة. أستاذة في العلوم السياسية في باريس، وصحفية لفرانس الثقافة وفي جريدة لوموند، فهي مؤسس لمجلة نسوية، علمانية ومناهضة للعنصرية "برو شوا"، انها امرأة شابة، وواحدة من هؤلاء المؤلفين المستنيرين الذين يعتبرون الحوار أمر ضروري ومؤكد.

يدور هذا اللقاء حول كتابها الجديد " آخر اليوتوبيا" واشكالية الاندماج والتنوع والهوية الوطنية. منتقديها يحبون وصفها كمناصرة شيئا ما هستيرية للحركات النسوية ومناهضة للإسلام. وشخص منغلق على وجهات النظر العالمية الأخرى. لكن كارولين فورست هي عكس ذلك تماما. متعلقة بالحب في التفكير وراغبة في الدفاع عن مشروع طموح للبشرية، فهي كاتبة منفتحة فعلا على الحوار. لقد حصلت على الجائزة الوطنية للعلمانية في عام 2005، وجائزة كتاب السياسة وجائزة "جان زي" في عام 2006، وجائزة كوندرسي-آرون في عام 2008، فهي أضحت لا تحتاج لإثبات ذلك. ففي "آخر يوتوبيا"، تعود المؤلفة الى الشمولية والتعددية الثقافية وتحاول توضيح تعاريف مشاريع العيش معا ذوي القيم والمبادئ المختلفة جدا. الإحصاءات العرقية، وأوقات لمسابح غير مختلطة، والتمييز الإيجابي ... ان كارولين فورست تتناول قضايا معقدة ومتزامنة مع اشكاليات عصرنا. فقررنا مقابلتها حول هذه اشكاليات.

كتابك يدافع عن النموذج الاندماجي الجمهوري الفرنسي. هل تعتقدين أن اسباب النقاش حول الهوية الوطنية راجع الى أزمة هذا النموذج؟

الأسئلة المثارة والرائجة في كندا أو بلجيكا هي نفسها التي نعيشها ولكننا لا نتكلم هناك قط عن أي هوية وطنية. عندما تطرح الدولة النقاش كذلك، فهي حتما ترتكب خطأ جسيما في التشخيص. انها تستخدم المصطلحات التي توجه النقاش الى الباب المسدود وتدفعنا لطرح أسئلة خاطئة غير بناءة. المشكلة ليست في معرفة ما معنى أن تكون فرنسي. نحن نعلم: إذا كانت لذينا بطاقة الهوية الوطنية، فنحن فرنسيين، إن لم تكن لدينا هذه البطاقة، فلسنا كذلك. اما بالنسبة للبقية، فلنترك للمؤرخين البث لاحقا عن مبادئ عهد ومقارنته بآخر.

هذا النقاش يبدو أخيرا من أعراض الاشكاليات التي تصفونها في "آخر اليوتوبيا". فما هو رأيك؟

الخلط الذي وقع فيه السياسيون هو الذي يبدو بالنسبة لي الأكثر كارثي في المنعطف الذي أخده النقاش حول الهوية الوطنية. كما أنني بدأت كتابة هذا المقال قبل هذا النقاش لأنني توقعت كل هذا الارتباك. بعض السياسات، وسياسة نيكولا ساركوزي في المقام الأول، مازالت لا تفرق بين الأصل العرقي والدين والتوجه السياسي لمواطنينا. كانوا يعتقدون ان عربيا يساوي مسلم الذي يساوي بدوره أصولي مسلم. حقيقة سحق ظلال، وللأسف، منطقية تماما في نظر السياسات لأنها لا تملك الوقت الكافي لصياغة أفكارها والتفكير في هذه الموضوعات. فهنا يأتي دور المثقفين، على وجه التحديد لإعادة تعريف الأشياء وتحويل النقاش.

ما هي المصطلحات التي كان من المفروض استعمالها لطرح النقاش؟

أنا لا أنتمي الى اليسار الذي يعتقد أننا يجب الهروب من هذه الاسئلة. ولن أترك هذه القضايا الرمزية إلى اليمين واليمين المتطرف. هل هناك طريقة في نفس الوقت علمانية ومعادية للعنصرية لطرح هذه المواضيع. فالسؤال الحقيقي هو: كيف يمكن للمرء احياء اتفاق بين ما هو خاص وما هو شمولي؟ كيف التعامل مع المتطلبات ذات خصوصيات دينية دون أن نصبح متعصبا ودون تغريق الشمولية المثالية؟

الأطروحة الرئيسية لمقالك هو بالضبط ان الصيغة الصحيحة "للاندماج" تكمن في التوازن بين احترام ما هو خاص وما هو شمولي. توضيح هذين العنصرين يبدو معقدا. هل هناك طرق عملية لتحديد أين يكمن هذا التوازن؟

لا توجد وصفة سحرية، ولكن هناك بعض القواعد حتى لا نخطئ كثيرا. لمواجهة متطلبات خصوصيات الأقلية الدينية، الأول هو أن نتساءل كيف سيكون رد فعلنا إذا جاء الطلب من الكاثوليكية أو من ديانة نعتنقها. هذا الامر سوف يجعلنا ننظر الى الآخر على قدم المساواة، ليس ككائن نختلف معه اختلافا جوهريا. هذا هو أفضل وصفة لتجنب الوقوع في الغرائبية، التي ليست الا وجه مصقول للعنصرية. والقاعدة الأخرى هي الاخذ بعين الاعتبار السياق، والتساؤل حول نوايا الجماعة التي تقدم الطلب وأثر الرد الإيجابي على ذلك.

في كتابك، كنت تصرين على وجه الخصوص على أهمية رفض مبدأ الأوقات الغير مختلطة في المسابح؟ الا ترين ان الموافقة على هذا الطلب لا يضايق، رغم ذلك، تنظيم المجتمع.

يتعلق الامر بموضوع لا يتجزأ. ليس عدم الاختلاط في حد ذاته مشكلة. ففي بداية الحركات التحريرية للنساء، تكونت افواج من الخطباء الغير مختلطين بين النساء، تم إنشاؤها للحديث عن الاغتصاب. عدم الاختلاط كان يهدف المساواة بين الجنسين، وبالتالي هدفه تحرُّري. عندما تتنظّم جماعات دينية للحصول على أوقات غير مختلطة في المسابح باسم رؤية معينة من الاحتشام، فهي تهدف التمييز وعدم المساواة بين الجنسين. فهنا الأمر يختلف تماما. وعلاوة على ذلك، إذا استسلمنا لهذا الطلب واستمرت بعض النساء المسلمات الذهاب الى المسابح في الاوقات المختلطة، فسوف يخاطرن بأنفسهن ويتعرضن الى أن ينظر إليهن كمومسات أو خائنات. وهذا مما يزيد من الضغوطات الطائفية والدينية على عاتقهن. في هذا السياق، أعتقد أن من مصلحة الجمهورية العمل على تخفيف هذه الضغوطات، وتشجيع التنوع والتحرر. فالقانون المتعلق بالرموز الدينية في المدارس العمومية نشأ بنفس هذا المنطق. بين النساء اللواتي في حاجة ماسة لارتداء الحجاب، ويمكن أن تذهبن للدراسة في القطاع الخاص أو عن طريق المراسلة، ونساء، إذا تم السكوت على الحجاب في المدارس العمومية سوف يفرض عليهن رغم امتناعهن ارتدائه، فالجمهورية اختارت مساعدة هاته الفئات.

عبر كتابك، تحللين مختلف نماذج الاندماج في بلدان مختلفة. ما رأيك في نهج حكومة ساركوزي؟

يصبح التنوع شكلا من أشكال الاوثان السياسية التي تعمل على اخفاء التخلي عن سياسات تكافؤ الفرص أو مكافحة عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية، واستبدالها بسياسات "مستحضرات التجميل" أقل كلفة بكثير والغاية منها جلب حصص بعض البروفيلات المختلفة الى المدارس الكبرى. وهذا يطرح مشكلة بالنسبة لي. فهو يعيد تأهيل التفريق. ونحن نحاول أن نشرح للناس الذين لديهم احكام مسبقة أنه ليس لكون ديننا أو أصلنا مختلف، يجعلنا مختلفين جذريا عن البشر، ولكن سوء استخدام مبدأ التنوع ينقل رسالة معاكسة.

أنت غير متفقة مع حصة 30٪ في المدارس الكبرى؟

يسرني أننا استطعنا الحفاظ على المعايير الاجتماعية والمنحية: نيكولا ساركوزي أراد اعتماد معايير عرقية. انه يود ان "نرفع النفاق". وغالبا ما تشمل المعايير الاجتماعية أطفال المهاجرين ولكن على أسس شمولية. الا أن حصة 30٪ تبدو بالنسبة لي حصة عالية جدا. أنا لا أعتقد أنه يمكنك ضبط السقف بطريقة تعسفية أو نظرية، لا سيما إذا كان عليه أن يكون ملزما. هذا هو نفس المشكلة مع النساء في مجلس الإدارة. أنا أفهم تماما أولئك الذين يقولون حاولنا كل شيء، وليس لدينا خيار. أتمنى فقط ان نتحدث عن حصص مؤقتة، عليهم أيضا ضبط تاريخ انتهاء صلاحيتها. أنا لا اتعارض والبراغماتية ولكن اتوخى اليقظة حول الخطب الجوهرية الذي قد تصاحبها. لا ينبغي أن توقد ردود الأفعال هاته الكليشيهات على المرأة. يجب علينا أن نأخذ هذه التدابير كمتهالكة، مؤقتة وتهدف فقط لوضع ركلة كبيرة في عش النمل. تقييد الحركة من فوق يبدو لي دائما حل أسوأ من تشجيعها من القاعدة.

على وجه التحديد، كيف يمكن تشجيع الحركة من أسفل، وبالتالي تنساق في نهج أكثر شمولية، كما تنادين بها في "آخراليوتوبيا"؟

أعتقد أن علينا استدراج هذه الحركات عن طريق النقاش والتفكير النقدي والشجب العلني. فاليوم، تنشر الصحف الجذاذات التي تبين على وجه التحديد عدد النساء في مجالس إدارة الشركات الكبرى. يبدو إيجابية للغاية. إذا فعلوا ذلك كل عام، مع مقارنة ترتيب التقدم المحرز في هذا الشأن، فستتفتح القادة من ذات نفسها إلى بروفيلات مختلفة. وهذا سوف يجنب المرأة، اتهامها بأنها حاضرة عن طريق تأثير ميكانيكي ناتج عن الضغوطات والاقساط. وبالإضافة إلى ذلك، فالمستهلك هو أيضا مواطن. عند شراء منتوج ما، يجب ألا يشكك فقط في الصفات الجوهرية للمنتوج، ولكن أيضا أن ينظر ما إذا كان مصنوعا من قبل الأطفال، وإذا كان المنتوج يحترم البيئة أو إذا كانت النساء متواجدة من بين اعضاء مجلس إدارة الشركة المنتجة. أنا أفضل هذا الوضع الاستدراجي. قد يأخذ قليلا من الوقت، ولكنه يرسِّخ الحركة بقوة أكثر.

الحصص الجنسية تبدو لكم أقل إشكالية من تلك المتعلقة بالعرق؟

التفريق بين الجنسين ملحوظ للغاية: نحن لا نخترع الفئات لتحقيق ذلك. الحصص العرقية، هُم يفرضون إعادة بناء الهويات ويخترعون فئات مجردة تماما. اقفال شخص في هذا التركيب يطرح لي المزيد من المشاكل أكثر مما هو الحال بالنسبة للتصنيف الجنسي، على الرغم من ذلك، وفي نهاية المطاف، أحلم بعالم يتوقف عن وضع الناس في "فئات". وقد أظهر علماء الأنثروبولوجيا أن هناك تواصل بين أكثر المذكر وأكثر المؤنث فيما يتعلق بالهيكل العظمي والاحماض النووية. الشيء نفسه بالنسبة للجرعة الهرمونية، رأينا ذلك مع حالة ذلك الرياضي في جنوب افريقيا. تمييز الذكور عن الإناث امر أكثر تعقيدا بكثير مما يبدو أو يظنه البعض. نحن ما زلنا في العصور الوسطى فيما يخص تناول هذه الموضوعات، وآمل أن نصل يوما الى مزيد من الانفتاح.

المقابلة مع أوريلي لوشار
السبت 3 أبريل، 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق