الأحد، 23 أكتوبر، 2016

السقوط...وماذا بعد؟


انتكاسة الخليفة الداعشية تتواصل. سوف تكون بطيئة كسكرات الموت وقذرة مثل حرب حقيقية. هي حرب لم نُعلنها، ولكن علينا النجاح في شنِّها إذا أردنا ان نعيش في سلام.

لن يختفي التطرف، لكن علمه بدأ يتأرجح. وقدرته على انبعاثه من حطامه متوقفة على كيفية تناول سقوط أول منظمة إرهابية أعلنت نفسها "خلافة".

ضمت داعش مدينة الموصل عن طريق الخداع. وقامت باحتلال أراضيها وسكانها وفق تقاليد استعمارية عريقة وبعاداتها وابعادها الاستعبادية. ومع ذلك، فعند سقوطها، سوف تبدُل قصارا جهدها حتى تبدو وكأنها شهيدة الامبريالية ... وهذه المظلومية سوف تغذي تهديدات الغد. ومن هنا تأتي أهمية اخذ الحيطة في الكلام وعدم سرد أيّ شيء لمجرد تقلّد روح الجلد الذاتي في هذه المعارك المتواصلة وهذا المنعطف الدرامي الذي حتما ستعرفه.

فبالكاد مرت ساعات معدودة من بدء الهجوم، قام بعض المتخصصين في الجهادية، وأحيانا محطات حقيقية لداعش، بالتغريد بشكل مسعور. البعض منهم يضفي شيء من النسبية في فقدان مدينة دابق. فبالنسبة له لا يبدو الأمر خطيرا جدا! غير أنه نسي ان الخلافة جعلت من مدينة دابق رمزها الاول، الى درجة اتخاد اسمها تسمية لمجلتها الدعائية، والتي أصبحت حاليا عنوان اندحار وليس انتصار. لقد هزم العثمانيون فعلا المماليك عام 1516  في دابق ثم شقوا طريقهم بعد ذلك. وقد اقنعت الخلافة الجديدة المتعصبين انها أيضا ستفوز في النصر النهائي في دابق شمال حلب، قبل الانطلاق ما وراء البوسفور ونشر إمبراطوريتها.

الاّ انه كما يحدث في كثير من الأحيان، أخفقت هذه التنظيمات الألفية والعرّافات المحيطة بها في التنبؤ بالمستقبل. خاب أمل اشبال الذئاب الذين كانوا مقتنعين بخدمة إمبراطورية ذو مستقبل واعد، كما فقد اتّزانه وثقته في النفس. لأن ما حدث هو العكس. فقدت الخلافة المخادعة دابق امام المتمردين السوريين بمساعدة الأتراك. عند رؤية اقتحام القوات العثمانية السابقة لأراضيها (وليس جيوش روما، كما كانوا يتوقّعون)، وحتى ان الجهاديون لادوا بالفرار على ما يبدو. خوفا من أن يتواجدوا على الجانب الخطأ من النبوءة في نهاية المطاف؟ أو بسبب وجود "صفقة" مشبوه بين خليفتين اثنين، البغدادي وأردوغان كما اشتبهت وسائل الإعلام الكردية في ذلك؟ سيحكي لنا التاريخ عن ذلك فيما بعد. وفي انتظار ذلك وعكس طموحها في التوسع أصبحت رقعة الخلافة الداعشية تنكمش يوما بعد يوم.

لقد تم استرجاع تسع قرى، مليئة بالألغام، محيطة بالموصل. لكن المرحلة الصعبة بدأت للتو. فاستعادة السيطرة على ثاني أكبر مدينة في العراق عملية متواصلة وربما تستغرق عدة أشهر، وستكون رهيبة. وعلى الرغم من الاستعدادات الطويلة، ليس هناك هجوما يهدف استعادة السيطرة على مدينة يصل عدد سكانها مليون ونصف نسمة من دون ان يخلف ضحايا في صفوف المدنيين. لمنشورات التي تدعو الى الاختباء في المنازل لن تساعد في شيء. والخيام المصممة لاستيعاب الفارين من القتال لن تكفي. انه طوفان ومأساة إنسانية في طور استعداد.

امام أولى الصور المؤلمة، سيتم محاكمة التحالف... بل أولئك الذين كانوا يوضحون لنا الأمس كيف ان بوتين كان على صواب عندما باشر الأمور دون مقدّمات ودون أي مراعات للساكنة. وبعد أقل من خمس ساعات من بدء الهجوم، وهو مستاء من كونه لم يعد موضع ترحيب في باريس بسبب جرائمه في الحرب، أبدا الرئيس الروسي مستمتعا وهو يعطي الدروس. حيث قال انه يدعو الاله حتى لا يتسبب الاميركيين والفرنسيين في اسقاط الكثير من "الضحايا بين السكان المدنيين" هذا هو المستشفى - أو حليف من يقصف المستشفيات - الذي لا يبالي بالصّدقة.

الاّ اذا تم لخلط بين غرنيكا والإنزال في النورماندي، فليس من المعقول القيام بالمقارنة بين الاسترجاع الضروري للموصل والقصف غير الضرورية لحلب. ففي حالة حلب، يستهدفون المدنيين والمعارضين الذين لم يهددوا قط مصالح روسيا لإنقاذ طاغية، في حين أنه تم التوصل إلى هدنة سياسية ! في حالة الموصل، الهدف هو تجنب سقوط أكبر عدد الضحايا المدنيين للاسترجاع المدينة من قبل دولة شمولية أعلنت الحرب علينا، والتي قتلت فوق أرضينا، والتي لا يمكن التفاوض معها. وهذا يناسب معايير نظرية مايكل والزر للتمييز بين "الحروب العادلة" و"الحروب الظالمة". أولئك الذين يرفضون التمييز يختارون التحيز الى الجانب المجحف، الجانب الظالم.

كارولين فوريست


الجمعة، 21 أكتوبر، 2016

اليسوع قلب البلديات ومخاطر العلمانية ذات الملامح المتقلّبة

العلمانية ذات الملامح المتقلبة تحمل دائما في طيّها إشارات سيئة. كيف يمكننا الاقناع بضرورة ازالت الحجاب داخل الأقسام إذا قبلنا بتواجد تماثيل اليسوع داخل قاعة البلديات؟




في بادئ الامر هناك لُبس علينا رفعه فورا. قد نكونوا علمانيين ونستمتع في نفس الوقت برؤية حضانات عيد ميلاد اليسوع. خصوصا عندما نكون قد ترعرعنا في البروفانس (مدن أخرى غير باريس)، وهذا هو حالي. لدي ذكريات جميلة جدا عن هذه الأوقات التي كنا نقوم فيها بنزهات في الغابة لالتقاط رغوة الربيع، وشراء التماثيل في السوق (حيث كان الملوك الثلاث هم المفضلين لدي)، ثم نقوم بتنضيد قرية صغيرة، مثل المسرح على رف الموقد. لقد كانت لحظات سحرية.
كما لا تحظُرمقتضيات قانون 1905 أيّ عائلة من الاستمتاع بسحر عيد ميلاد اليسوع، أكان ذلك في منزلها أو في السوق. غير ان السؤال المطروح هو ما إذا كان على الأموال العامة تمويل حفل تقليد ولادة اليسوع، في بيوتنا المشتركة المتمثلة في البلديات أو مجالس المقاطعات؟ الجواب بالطبع هو لا.

مقتضيات قانون 1905
حتى في الولايات المتحدة، تعتبر هذه الممارسة في تنافا مع "الجدار الفاصل". أمّا في فرنسا، فمقتضيات قانون 1905 وخاصة مادته 28 واضحة جدا: "لا يجوز لأي شخص، في المستقبل، رفع أو وضع أي علامة دينية أو شعار ديني على المعالم العمومية".

فمن اجل الدفاع عن هذا الفصل وعن العلمانية المشتركة، قام صاحب "الفكر الحر" بتقديم دعوى ضد عدد من رؤساء البلديات والمجالس لانتهاكهم مضامين هذا القانون. لقد حكمت المحكمة الإدارية لصالحه ضد مجلس فاندي. هذا المجلس الذي اختار لسنوات عرض داخل بهوه اثنين من التماثيل العملاقة للمسيح ولمريم ...على حساب المال العام.

صفعة أهدانا إيّاها فيليب دو فيلييه ضربا في مبدئ الفصل بين الدين والسلطة، انه السفير المثالي لهذا العمل الكهنوتي والمعادي للعلمانية، غير انه كان الهدف منه بالطبع شن حرب ضد الإسلام. ما زال متعنِّتا في عدم قبول قانون البشر، فقد كيّف الفيكونت عمل التذكير بقانون الجمهورية ب"الشمولية".

اما رئيس بلدية بيزييه، روبير مينار، فقد دعا صراحة ب"العصيان المدني" وانشأ حضانة للمسيح في بلديته.

تبدوا الامور في كلتا الحالتين واضحة على الأقل. فعن طريق خرق مقتضيات قانون 1905 ينكشف اليمين المتطرف واليمين الكهنوتي باتهام الجمهورية بديكتاتورية معادية للمسيحية بينما هي (الجمهورية) تبادر الى فرض مبدأ فصل الدين عن السلطة. انّ الاعتناق المتأخر من قبل اليمين المتطرف واليمين الكهنوتي للعلمانية ليس سوى حيلة وقناعة تستهدف الإسلام دون غيره من الديانات. وهذا الامر خدعة مُتقنة.

غير ان مواطنين آخرين وعن حسن قصد، لا يرون أين تكمن المشكلة. هؤلاء عليهم رفع أعينهم عن التماثيل حتى يروا أبعد من ذلك. فما يهدد توازن فصل الدين عن السلطة هو فسح المجال لرقصة التوافقات. إذا أقدمنا على قبول استثناءات تواجد تماثيل الصغيرة لليسوع داخل البلديات، فما الذي يمنع من القيام بالمثل مع الآخرين؟

دوامة التوافقات
ان تقديم تنازلات للعادة اللطيفة لتمثيل حضانات ميلاد المسيح قد يضع فرنسا في مأزق دوامة المطالبات والخصومات المجتمعية التي لا نهاية لها. فالملامح المتقلبة (او الهندسة المتغيرة) للعلمانية تحمل دائما في طيها اشارات سيئة. كيف يمكننا اقناع ازالت الحجاب داخل الاقسام إذا قبلنا بتواجد تمثال اليسوع داخل قاعات البلديات؟

ليست الطرق متعددة في مجال المساواة بين الأديان. فإمّا أن نتأكد من عدم تفضيل دين على آخر عن طريق فصل الدين عن السلطة واما الاعتراف بجميع الديانات، وبالتالي الخوض في سباق الاستثناءات. فما نحتاج إليه هو قاعدة واضحة ومناسبة للجميع.

المطلوب هو رؤية واضحة لمجلس الدولة
في فاندي، فاز الفكر الحر. ولكن في ميلون، انهزم ضد حضانة أخرى داخل بلدية. ان قرارات المحاكم تختلف من مدينة ومن محكمة إلى أخرى، لذلك وجب علينا اللجوء إلى مجلس الدولة لتوضيح الرؤية.

واعتبرت المقررة العامة، أوريلي برتونو، أن المادة 28 من القانون 1905 "لا تمنع من تثبيت حضانات اليسوع داخل الملك العمومي" ما لم تثبت "نية دينية" وراء هذا الفعل. فهو بالتالي قرار "مشروطة" غير انه يفتقر إلى الدقة. إذا كان الهدف منه يقتصر فقط على منع "التبشير"، كما اوضحت المقررة، فسوف يعتبر بعض رؤساء البلديات ضمنيا أن تمثيل رضيع في حضانة هو امر لا يمت "التبشير" بصلة.

في الواقع، فإن مجرد وجود علامات أو أحرف مرتبطة بالدين امر ينبغي أن يتم حظره بشكل أكثر وضوحا. الحل الذي أقترحه في عبقرية العلمانية يذهب في هذا الاتجاه. فهي تحترم في نفس الوقت التقاليد ومقتضيات المادة 28 من قانون 1905: نعم للحضانات الثقافية داخل المباني العامة، ولكن خالية من الرموز الدينية.

دور الحضانة العلمانية
يمكن توجيع ابداعنا نحو خلق حضانات تصور قرية بروفنسال دون اليسوع أو الملوك الثلاثة، أو يوسف أو مريم. فهناك العديد من الشخصيات أخرى بين التماثيل. بعضها يحكي عن الحِرف القديمة لهذه المدن: طحان الزرع، حفار أبيار ... هذه الحضانات تتحدث عن ثروات جهاتنا وعن ثقافتنا، وكل ما يجمعنا وليس ما يفرقنا. فقد يكون لهذه الحضانات الثقافية وغير الطائفية، مكان داخل المباني العامة.

كمثل التّنّوب أو شجرة عيد الميلاد، هذا الرمز الوثني الجميل الذي اقتبسه المسيحيون، وتجاوز الحدود الدينية. انّ "شجرة الحياة" كعطلات موسم نهاية السنة هو رمزالانتقال إلى فصل الشتاء. الرغبة في افراغ الفضاء العام من التّنّوب أو سانتون (تمثال اليسوع)، خوفا من الإساءة إلى "ديانات أخرى" قد يكون داخلا في إطار التلاقح التقافي (التثاقف). أماّ عرض المسيح داخل قاعات بلدتنا ينمّ عن خلفية قديمة تُلوح بتفوُّق وطغيان الهُوّية.

فلم يستطع احدا حتى الآن اختيار، داخل إطار هذين التوجهين، مسارا أنسب من مسار فصل الدّين عن السلطة. لأنها تخوّل لنا فرز الزرع السمين للثقافة من غثّ الهيمنة.

كارولين فوريست

الأربعاء، 12 أكتوبر، 2016

عبقرية العلمانية: العلمانية ليست سيفا ولكنها درعا

https://carolinefourest.wordpress.com/

بقدر ما تستحضر العلمانية بقدر ما تتشابك مفاهيمها. لقد اصبحت عبارة عن ساحة معارك. ففي هذا البحث الدقيق، البيداغوجي والحيوي قامت كارولين فوريست بالتمييز بين ثلاثة أنواع من العلمانية في حالة حرب. العلمانية بمفهومها الاصلي المجرد، ثمرة توافق 1905. وعلمانيتان مغريتان تسعيان إلى إعادة التفاوض حول هذا التوافق. ترمز الأولى منهما الى التعددية الثقافية، الأنجلو سكسونية، التي يقال عنها "متفتحة" الى حد المخاطرة بقبول تسويات غير معقولة لصالح "حرية دينية" مهيمنة على المدى، والى حد تسهيل صعود الأصولية والتطرف. والإغراء الآخر، خاضع لأحادية الثقافات، للمعيارية، من مناصري الهوية، منطوي على نفسه، ذو اوجه متقلبة، يتملق للهوية وللتجاوزات القانونية كلما تحدث باسم الهوية المسيحية ويجيز الإقصاء والتمييز كلما تعلق الامر بالإسلام. غير أن العلمانية، وان كانت ممزقة بين الاثنين، تبقى بمفهومها المجرد وبدون نعوت، في حد ذاتها ممزقة ومنجرفة بالسياق الجديد، الذي لم يعد نفس سياق عام 1905، وقد تنتقل من منظور متوازن الى رؤية أكثر استلزاما. تقوم هنا كارولين فوريست بالدفاع عن وجهة نظر متوازنة للعلمانية، دون تقديم تنازلات لأولئك الذين يسعون إلى إضعافها. فهي تضع الأسس للتوافق كما للفاصل فتعيد إحياء فحواهما من جديد. توازن يميز بوضوح بين الفضاء العام والفضاء الخاص، بين مستويات مختلفة من المتطلبات حسب ما إذا كان فضاء للحرية أو فضاء للتقيد، مع الدفاع من اجل الحرص الدائم على اليقظة اتجاه الدعاية التي تعمل جاهدا لاعتبار هذا التوافق نوع من أنواع التعصب. هي علمانية لا منغلقة ولا "منفتحة"، لا إيجابية ولا سلبية، لا عنصرية ولا "معادية للإسلام". ولكن ثمرة طموح وجهود يجب استرسالها، خاصة في المدرسة، هذا إذا كُنا نريد حقا حماية حرية الضمير (بما في ذلك حرية المعتقد)، والتحرر والمساواة والإخاء أو في كلمة واحدة، حماية الجمهورية.

كارولين فوريست

"عبقرية العلمانية: العلمانية ليست سيفا ولكنها درعا"، دار الناشر كراسيه، اكتوبر 2016  




الأحد، 9 أكتوبر، 2016

عندما تذرف أعيُننا الدّمع على حلب


كان على طوفان من النار أن يعُمّ حتى نبكي على حلب. لقد أثارت الصحافة واقعة قصف غرنيكا. وتحدثت الامم المتحدة عن "جرائم حرب" بعد إعادة تصوروهم الهدنة الكاذبة للمرة الألف، فتدفقت الدموع، ووفدت أخيرا صرخات الاستغاثة، فاستيقظ حِسّنا واقشعرّ جلدنا. هل صرنا تحت تأثير البنج أم أصبحنا وحوشا؟ إن تقديم التوضيحات يستهوي دائما. فكُلّما ارتُكبت فظائع في منطقة الشرق الأوسط، تجدون عقولا وسيمة مستعدة لمحاكمة الديمقراطيات الغربية. لقد أصبح عكس المسؤوليات موضة شائعة.

والحقيقة هي أن الأسد وبوتين هم من يتحمّلان مسؤولية الفوضى في سوريا. لم نتوقف من الاحساس بالقلق، ولكننا وجدنا أنفسنا عالقون من كل ناحية. من قبل الطغاة الذين يقتلون شعبهم والإرهابيين الذين يهددوننا، وجزء من الرأي العام الذي يعلّق آمال انقاذنا من التهديد الإرهابي على الطغاة. بيد انهم يقومون بتغذيته.

معزوفة مألوفة

كاتّهام الديمقراطيات الإمبريالية عندما تتحرك لمنع المجازر، كما هو الحال في ليبيا. ثم لعنها عندما تتحفظ على التدخل. علينا أن نتذكر لماذا نحن، الى هذا الحد، عاجزون في سوريا. دعونا نعود إلى بدايات "الربيع السوري". حيث قام معارضين لنظام الأسد بالطلب منا ألاَّ نتدخل، خشية من أن يُنظر إليهم على أنهم عملاء الغرب أو اتهامهم بتلقي الدعم من المثقفين اليهود. لقد أراد برنار هنري ليفي، أن يتدخل. ساعد الجسر الجوي الذي صوت عليه الأمم المتحدة من تفادي مجزرة للشعب ليبيا. غير ان فرنسا ونيكولا ساركوزي ذهبوا بعيدا جدا. فمات الديكتاتور. وعمّت الفوضى في مرحلة ما بعد القذافي، كما يقع في كل المواقف الما بعدية. والتمست روسيا العذر لحماية الأسد من أي "تدخل".


حتى عندما بدأ الدكتاتور السوري يتجاوز كل الخطوط الحمراء، وتركه المجتمع الدولي يفعل ما يشاء، خوفا من وضع اليد في احدى التروس المسننة التي تتخبط فيها العراق أو ليبيا. فالتجاوزات السابقة للتدخلات الغربية، سهّلت الانزلاق في الافراط العكسي: فقام التدخل الروسي بإتمام ما تبقي. فمن دون الدفع بحقه في الفيتو ومن دون قنابله لأضحى عدد الوفيات في سوريا أقل بكثير وكدا عدد اللاجئين على شواطئنا.

المسؤولية لا تنتهي هنا

لم تكن هذه اللعبة الساخرة والقاتلة مُمكنة دون تواطؤ من أولئك الذين تناقلوا دعاية الكرملين إلى الغرب، في أقصى اليسار كما في اليمين المتطرف. فالجبهة الوطنية وحتى بعض اليمينين انهونا من التدخل في سوريا. فبالنسبة إليهم مساعدة المعارضة هو عبارة عن تسليح للإرهابيين الإسلامويين. كان مبالغا فيه في ذلك الوقت. لم يعد الامر كذلك اليوم ... وتحديدا بسبب هذا التراخي. فبسبب قلّة الدعم من الغرب، تراجعت قوات المتمردين الديمقراطيين لصالح المتمردين الجهاديين المسلحين من قبل الأتراك والمملكة العربية السعودية وقطر.

لقد أراد الأسد نفسه تناقل هذه العدوى ليصبح في مأمن من الأذى وبالتالي الحصول على "تفويض مطلق". كما قام بإطلاق صراح الكوادر الاسلاموية من سجونه لتسهيل القضاء بهذه الطريقة على أي بديل بينه وبين الجهاديين. وقد ساعد بوتين على تعفّن المفاوضات السياسية، من جهة، وتحديد أولوياته في قصف الجماعات المتمردة الديمقراطية من جهة أخرى. ما هو الهدف من ذلك؟ فهو واضح وساخر: شلّ المجتمع الدولي ووضعنا أمام الخيار المستحيل. الطاعون أم الكوليرا. الاستبداد أم الإرهاب. جرائم الحرب أو الهجمات الإرهابية. الرعب أم الرعب. هذا ما نحن عليه.

في غياب العزم الأمريكي، اتخذت الدبلوماسية الفرنسية الخط الوحيد الجائز: الدفع بطلب حل سياسي بدون الأسد وضرب الدولة الإسلاموية. دعم جزّار دمشق من شأنه القاء العار علينا، وفي نفس الوقت يُغذي دعاية أعدائنا. أما ضرب النظام السوري فسوف يُحَمِّلنا مسؤولية التروس المُسَنّنة.

فليس على الديمقراطيين الذين رفضوا هذه الحلقة المفرغة الجهنمية، الإحساس بالعار اليوم. بل هو الحال بالنسبة لأولئك الذين طلبوا منّا أن نختار بين الأسد وداعش. لأن أنانيّتهم وقصر نظرهم هما المسؤولتان عن الفوضى العارمة حاليا. فعدم وجود حل سياسي في سوريا، أطلق العنان للجهاديين. وبعدها قام السكان بالهروب إلى شواطئنا تحت وطأة الإرهاب والقصف... وهكذا تسنّى لليمين المتطرف المؤيد لروسيا... تأجيج الخوف من اللاجئين! فبالتأكيد، يعرف هؤلاء الأوغاد كيفيّة الانتصار على جميع الجبهات. 

كارولين فوريست

90  ماريان عدد من 07 الى 13 أكتوبر عام 2016