الجمعة، 24 فبراير، 2017

الأعمال المُربحة للجبهة الوطنية


آه لو كان فرانسوا فيون عضوا في الجبهة الوطنية ... لمّرت قضيّته مرّ الكرام عبر وسائل الإعلام، فلا يقع اللوم الاّ على الشخصيات الجدّية لاحتقارها البيّن للديمقراطية. أما المستبدين فكل ما يقومون به مسموح.



ناخبيهم لا يهتمون بتاتا لا بغشهم ولا باحتيالهم، أو حتى بسوأ تصرفاتهم داخل المعارضة أكثر من أي سياسي آخر في السلطة. فلا يتم التصويت على الجبهة الوطنية لتحسين الديموقراطية. يتم التصويت على الجبهة الوطنية للبصق في وجه الديموقراطية والصراخ عاليا " نحن في بيتنا" وعندما نكون " في بيتنا"، فيمكننا ان نفعل ما نشاء.

صرّحت مارين لوبان أمام الملأ انها تدافع عن الشرطة ولكنها في واقع الأمر ما فتأت أن أخفت أدلة (تتمثل في هاتفها النقال) في حمالة صدرها عندما تمت مداهمتها؟ فناخبيها لم يعيروا اي اهتمام لهذا الأمر. ان احترام الشرطة هو واجب على الآخرين.

خاطرت مارين لوبان بعشر سنوات من عدم الأهلية لتقديمها تصريحا عن ممتلكاتها مبلغه دون قيمته الحقيقية؟ ومع ذلك ناخبيها لم يبالوا. فالشفافية واجبة على الآخرين. اما هم "فهم في بيتهم".

ويشتبه في الجبهة الوطنية أنها حوّلت الأموال المخصّصة لدفع ثمن المساعدين البرلمانيين الأوروبيين، لدفع أجور الحراس الخاصون ورفقائها؟ أما ناخبيها فهم لا يبالون. فهذا بالنسبة لهم أقلّ ما يمكن انتزاعه من أوروبا ... وحتى لو انتخبوا على نوّاب "وهميين" شيئا ما، نواب يقدمون الحد الأدنى من الخدمات مقابل حصولهم على شيكات اجورهم حتى وان لم يصوتوا على ضرورة تعزيز حدود الاتحاد الأوروبي. كلما أكثرت الجبهة الوطنية من الزلاّت كلما استقطبت مزيدا من الأصوات وكلما تمكّنت من دفع الأجور. امّا هم "فهم في بيتهم".

وإذا كانت "فضيحة فيون" تنمُّ عن خطيئة ذات طابع شخصي، ففضيحة الجبهة الوطنية تكشف عن انحراف أخلاقي لحزب برمّته. حزب يُذكر اسمه في العديد من المتابعات، منها على سبيل المثال الإثراء غير المشروع على نفقة الدولة. فقد اتُّهم أمين صندوقه بإخفاء "إساءة استخدام أصول الشركة"، واتُّهم نائب رئيسه بتهمة الاحتيال وخيانة الأمانة. فالقصة المشهورة لمجموعة ادوات الحملة التشريعية الذي صنعتها شركة ريوال برئاسة فريديريك شاتيون وهي شخصية منبوذة... فالقضاء يشتبه أن هذه الأدوات، التي تم تسديد كلفتها من قبل الدولة، تم المبالغة في تقدير تكلفتها في فاتورتها المقدمة على سبيل التبرير. لمصلحة من؟ لمصلحة حزب صغير لمارين لوبان؟ استنكرت الجبهة الوطنية هذا الأمر. وهذا يكفي لبعث الشك.

لا نتحدث عن المتابعات التي تعرضت اليها الجبهة الوطنية بسبب "محاولة الابتزاز المالي". في ذلك الوقت، بذلت لوبان وفيليب غودار بينانك (الرجل الذي ساعد جيروم كاهوزاك على فتح حساب في سويسرا) جهدا كبيرا لتجنب تسديد الأموال التي كانت مطبعة تُطالب بها الجبهة الوطنية مقابل خدماتها. وقد تمّ تداول هذه القضية في كل مكان. الكل يعلم ذلك. لكن ناخبي الجبهة الوطنية لا يُبالون.

قامت الصحف بالكشف جليا، مرارا وتكرارا عن محاولات الغش التي تكاد تكون منتظمة بتشجيع من قمة الحزب الذي لم يعد يكلّف نفسه عناء اخفاء ذلك...فناخبيه يفضلون قدف الصحفيين الذين يبادرون بالقيام بهذا التنبيه. كان عليكم رؤية العاصفة التي ضربت غي كونوبنيكي، صديقنا وزميلنا، عندما نشر "شركات الفروع السوداء" في 1996. تحقيق لا هوادة فيه، مدعوم بوثائق وأدلة بنكية دامغة. فهو يحكي كيف جان ماري لوبان يخفي ثروته في سويسرا قصد عدم دفع الضرائب في فرنسا.

كلما كان في ورطة، كلما شنّت الجبهة الوطنية الهجوم. فمحاميها، الذين هم أيضا أعضاء منتخبون للحزب يقضون جل وقتهم في رفع القضايا التي خنقت دهاليز المحاكم عن تفقد أحوال دوائرهم. كل هذا يعتبر مقبولا. وبالمناسبة، وفي نفس الوقت يُردعون بتصرفهم هذا بعض الزملاء حتى لا تراودهم أنفسهم مرة ثانية الاحتكاك بهم. لقد عشنا نفس الحالة لما قمنا بنشر كتاب "عندما يسقط القناع عن مارين لوبان". الكتاب حيث جان كلود مارتينيز وهو برلماني سابق للجبهة الوطنية الذي حكى لنا كيف قام بتوظيف هيوجت فاتنا
مربية أطفال مارين لوبان، كمساعدة برلمانية ... حيث لم تكن تساعدها كثيرا في مهامها البرلمانية: "إن البرلمان الأوروبي، لم تكن تعلم أين يتواجد، لم تكن تذهب اليه قطا ... ولكنها تمضي وقتها في تربية اطفال مارين! "تمّت مرمدته في المحاكم لكنّه في آخر المطاف كسب القضية. حتى أنه قدّم نسخة من عقد العمل مفادها أن "المساعدة البرلمانية" ستعمل في سان كلود، أي المسكن الخاص بلوبان! لم يصدر شيء في الصحافة حول هذه القضية. ومع ذلك، فإنه كما لو كشف ممثل فرانسوا فيون أن حزبه أجبره على توظيف بينيلوبي فيون في واقع الأمر للاعتناء بأبنائها في مسكنها الخاص بمانور دي بوسي ... !! بأدلة من هذا القبيل، قد يتنحى مرشح حزب الجمهوريين. أو أضعف الايمان، قد يتوغل أو يغطس الى أسفل السافلين في استطلاعات الرأي. لكن مارين لوبان، لا...

كارولين فوريست


الجمعة، 17 فبراير، 2017

أزمة النظام بين مفهوم "التخلُّص" وحب الذات السياسية



كل ما في هذه الحملة ينتابه الجنون. لا يمكن لأحد أن يتنبأ العرض الأخير ولا العالم الذي سنعيش فيه وقت الاستحقاق. أصبح الناخبون من جهة يتمتعون بسلطة أكثر من أي وقت مضى: سلطة تعيين مرشحيهم الرئيسين. ومن جهة أخرى، بات تصويتهم مقيدا: بالجدول الزمني القضائي والأجندة الإرهابية والنتيجة المحصّل عليها من قبل الجبهة الوطنية في استطلاعات الراي. ووسط هذه الزوبعة، يجب علينا أن نميز بين ما هو ظرفي وما هو ناتج عن اتجاهات ثقيلة.

تشهد معظم البلدان موجة عارمة للتوجه الديمقراطية، تخدم على عكس التوقعات مصلحة الاستبدادية. ما قام بتسميته جان لوك ميلينشون "لوديكاجيزم" أو "التخلّص" فهو يسمح حقا بالتخلّص من الطغاة وتجديد الطبقة السياسية الديمقراطيات المغلّفة. ولكن لكل عملة وجها آخر. وبما أن الجزء السفلي من الهواء فهو نقي وحتى مخيفا الا أن الرياح تهب في أشرعة الغضب والانتقام، وتتحول الى رغبة عنيفة في تثبيت نظام ما. فنجد أنفسنا امام خيارين لما بعد الربيع العربي، اما الإسلاميون أو الجيش. بينما أمريكا أو أوروبا تتأرجح متردّدة بين اليمين المتشدد واليمين المتطرف.




بالطبع هناك استثناءات، على طريقة وجاستن ترودو، الوجه البشوش للتعددية الثقافية، ولكن أيضا وفي نفس الوقت للسياسة عن طريق الميراث. تأخذ هذه الظاهرة إذا اتجاها آخرا من هذا القرن: الرحلة الذاتية "لمدمنين الأنا". بقدر ما نتأمل في صورنا الشخصية، ونستهلك السياسة الشّعبوية، فننتخب مرشحين من تلفزيون الواقع، لا يفكرون الا في انفسهم، وأحيانا بالكاد يستطيعون دباجة برنامج رئاسي مركب من أكثر من 140 علامات (وهو عدد العلامات المسموح ارسالها عبر تغريدة التويتر). أما الوصفة القاتلة هي دونالد ترامب. فمفهوم "التخلُّص" مقرون بالرحلة الذاتية "لمدمنين الأنا" والذان يؤديان الى نتيجة غير قابلة للاستيعاب ألا وهي اقتراح مرشحين متشبعين بالشعور النرجسي والسُّخري المتزايد في مراكز السلطة... هذا عندما لا يكونوا هؤلاء المرشحين "الورثة".

في الحالة الفرنسية، قمنا أيضا بتدشين بعض المستجدات. وهذه هي المرة الأولى التي يقوم بها الحزب الحاكم وحزب المعارضة الرئيسي بتنظيم مرحلتين تمهيديتين للانتخابات. فهي أداة عظيمة لتجديد الجمهورية الخامسة، ولكن تأثيرها منطقيا يسارع في تكريس توجه "التخلُّص". في حين أن لرحلة الذاتية "لمدمنين الأنا" تتوزع خارج المرحلة التمهيدية. في النهاية، لدينا ملصق رائعة التنوع للانتخابات حيث لم يتعطل أي مرشح غير نمطي، ولكن حيث المرشحين الأقوياء والكثر صلابة غير ممثلين بشكل جيد.

في العمق نحن نعيش مرحلة انتقالية، في منتصف الطريق بين الجمهورية الخامسة والجمهورية السادسة مستقبلا، عشوائية تماما ومرتجلة. لم تُنتج المرحلة التمهيدية للانتخابات المرشحين الأنسب والقادرين على تحقيق الانتصار لأحزابهم، أي مرشحين الوسط، ولكن على مرشحين "تجمعيين" يجسدون على الخصوص انطباع جماهيرهم.

بينما يتحول العالم إلى فوضى، ويذهلنا الإرهاب وعودة عصا العنصرية الناتجة عنه والحرب في الموصل، وقفنا على طريقة تبادل آراء سريالية أحيانا. من جهة يتحدث اليمين كثيرا عن كيفية تخفيض عدد الموظفين في الإدارات. ومن جهة أخرى داب اليسار وبشكل ملفت للنظر الدفاع عن العائد "الشامل" أو كيفية العيش بشكل أفضل بعد مرور خمسة وعشرين عاما. انّها فقاعات حقيقية، حيث كل واحد يرضي خاطره على طريقته بما يشاء.

لقد ولّت فترة الأوقات الممتعة للمرحلة التمهيدية من الانتخابات ولحق بنا الواقع. فاتضح ان حزب اليمين انتخب اقطاعيا على رأس عائلة تستفيد من الاعانات، فبات وضعها حرجا للغاية عندما تقوم بمطالبة الفرنسيين بالتضحيات. اما حزب اليسار فقد ادرك أن مرشحه ليس لديه قدرة إقناع جان لوك ميلينشون للتخلي عن السباق الرئاسي، ناهيك عن إزاحة، بفضل عصا سحرية، المواضيع التي تفرضها علينا حتما الهجمات والجبهة الوطنية.

العبرة التي يمكن استخراجها هو ان دينامية الانتخابات تتواجد في الوسط وخارج الانتخابات التمهيدية. اليوم فهي تحمل إسما: إيمانويل ماكرون. غدا بعد هجمة ما، او تطور جديد في المستجدات القضائية أو تسريب من قراصنة الشبكة العنكبوتية، فسوف ربما يصبح اسمها فرانسوا بايرو. المرشح الذي يبدو أكثر صلابة، والذي يتوفر على ميزة عدم توليه مقاليد الحكم مؤخرا، ويؤمن بأن هناك "ثقافة فرنسية"، ويعطي انطباع تفضيل مصلحة الدولة على مصلحة الاعمال.

فالتشويق والمفاجآت أمور مضمونة. وفي جميع الحالات، فإن الشخص الذي سوف يفوز بالانتخابات الرئيسية ليس مؤهلا للتمتع بأغلبية واضحة بعد الانتخابات البرلمانية. بالإضافة إلى كل الأزمات التي نواجهها، فنحن نتجه مباشرة نحو أزمة نظام.

كارولين فوريست

السبت، 11 فبراير، 2017

ثيو والغرب المتوحش


لم نصل بعد في فرنسا إلى مستوى ينذر بالخطر كالمستوى الذي وصلت اليه الولايات المتحدة، ولكن بوادر التعفن تشق طريقها نحونا. المستبدين كالجناة يقودوننا بسرعة الى هذا الوضع. خرجة الطريق من الجمهورية. الاتجاه: الغرب المتوحش.

المسؤولية الأولى تقع على عاتق أصحاب السلطة العمومية. استنفدت حتى وان كانوا مجهدين وان استنفذ صبرهم يجب على الشرطة تفادي البلطجية. هذا هو الانطباع المقيت الذي قدمه اعتقال ثيو. عشرة سنتيمترات في فتحة الشرج.

المدعي العام بوبيني قام بإجراء تحقيق جنائي ل "اقتراف اعمال العنف جماعية والاعتداء بالسلاح." الشرطي الذي ادخل العصا بقوة  متابع بتهمة "الاغتصاب". اعادة التكييف لهذا الاتهام مطلوب من قبل العديد. رئيس بلدية أولني سو بوا التابع للحزب الجمهوريين، برونو بيشيزا، وهو شرطي سابق، أيد بسرعة الضحية وطالب التحلّي
"بالشفافية" في هذه القضية.



عندما توصل وزير الداخلية بالخبر، علّق أربعة من ضباط الشرطة على الفور من مهامهم وأصدر بيانا واعدا "بتطبيق العقوبات الإدارية المناسبة" حينها. فاذا على العدالة توضيح ما حدث في هدوء واستقلالية. اما الرأي العام والمجتمع الذي لا ينتظر، فقد تمزق رأيه الى وجهتي نظر، كل منهما تؤديان إلى أفكار متطرّفة.

وهناك رأي يتفهم حالة توتر وإرهاق الشرطة، وخاصة في هذه الفترة عندما يصبح الزي الشرطي مستهدف. لقد أخذناهم في الأحضان بعد اغتيال أحمد ميرابيت وكلاريسا جان فيليب. نحن مع الشرطة لأنهم يشكّلون حمايتنا. لكن هذا لا يعني لا مبالات عندما يقوم بعضهم بالإعتداء علينا. فحالة الطوارئ تعني تفويض جزء من حرياتنا - وليس نفي هذه القيم التي تشكل الميثاق الجمهوري، وبالتالي مصدر سلطتهم.

ينبغي على نقابات الشرطة  ان يفكروا مرتين قبل التدافع في المزايدة. هل نحن محقين عندما نستغل هذه الفترة حيث الانتخابات  وأجواء التوتر، للتفاوض على بطاقة بيضاء للحق في تبادل لاطلاق النار دون حق الدفاع عن النفس؟ فهذا باب مفتوح  للأخطاء والتلطيخات. تلك التي تكرِّه في الشرطة وتعرضها اكثر للخطر.
ومن المؤكد فهو صعب للغاية. أن يفكرالمرء كل يوم مرتين قبل رمي بالرصاص كل مُعتد مشتبه فيه او محتمل، وخاصة في أوقات الهجمات. الا أن تلك الثواني القليلة من التردد تجعل الفرق جليّا بين الوضع الفرنسي والوضع الأمريكي.

في الولايات المتحدة، الشرطة تسحب مسدسها وتفكر بعد ذلك. وبالتالي ترتكب أخطاء متكررة: يقتل ثلاثة أشخاص كل يوم، ربعهم أميركيين من أصول إفريقية. وفي كل مرة، تكبر الهوة بين الشرطة والشعب. فالمحتجون يصرخون "بلاك لايفز ماترز " (أرواح الأسود تعني الكثير).

نحن لم نصل بعد الى هذا الوضع، ولكن بعض المنضمات لاتضلّمية تعتقد ذلك وتجعل الآخرين يعتقدون ذلك. الى درجة
استيراد نفس الغضب. نعرفهم. أنهم يسممون كل القضايا التي تتبنى الكفاح ضد العنصرية من قبيل تلك ضد عنف الشرطة. تغمرهم السعادة عند رؤية هجوم على سيارة شرطة بكوكتيل مولوتوف على طريقة النينجا، وينفخون على لهيب خلط "العلمانية = الإسلاموفوبيا" قبل أن ينتقل بسرعة إلى خلط "فرنسا =(تساوي) الشرطة (التي تساوي) = العنصرية".

قامت مراسلة من بوندي بلوك الى حد إرسال عبر شبكة التويتر رسالة تعبر فيها عن موقفها قائلة: "ألقت أجدادنا في نهر السين، وضربت آبائنا حتى الموت، وخنقت اخوتنا الكبار وانتهكت اعراض إخوتنا الصغار". من تكون؟ " فرنسا ". انزلاق حقيقي وظالم الى درجت ان المشاعر التي جيشها هذا الانزلاق كانت فورية ومشتركة. ان الحاجة إلى خلق الحدث و"تغذية" وفرة جمهورها لا يبرر كل شيء. خاصة انه لا يبرر تشجيع الأجيال على القيام بخلط كل شيء: "كما ترون، فرنسا لا تحبكم، لديكم كل الحق في كرهها". فعلى
 هؤلاء المتحدثين باسم الجميع المزيفين أن يستفيقوا. لم نعد في الأيام التي ولّت والتي تودون العودة اليها ألا وهي ايّام "الكراهية". لقد انتقلنا الى حقبة اخرى. حقبة حيث الضباع المسلحة قد تحول هذا الغضب الى رصاصات كلاشنيكوف لاطلاق النار على المساجد في كندا أو الشرطة في فرنسا. لدينا قانون شرعيته واحترامه هو كنزنا المشترك انه أساسي لحمايتنا من هؤلاء الضباع. فأحداث اعتقال ثيو، أو الموت الغامضة التي تعرض لها أداما تراوري، او حتى النسب القياسية من المتعاطفين مع الجبهة الوطنية التي تم تسجيلها بين أفراد الشرطة، ليس هناك ما يبعث بالطمأنينة في هذه الأحداث. فهيا نقم معا بالتنديد بهذه الأحداث، بدلا من التخلي عن فرنسا لأولئك الذين يكرهون أو يدوسون مبادئها.

كارولين فوريست

الأحد، 5 فبراير، 2017

القصة الحقيقية لإعتداء عام 1976 الذي تحدثت عنه مارين لوبان في المقابلة التي أجرتها معها كارين لومارشاند



الإعتداء
(من كتاب "الوجه الحقيقي لمارين لوبان" دار النشر ليفر دو بوش    ( 2012

إنها صدمة حقيقية بالنسبة لمارين لوبان. تلك الحلقة التي بدأت تحكي فيها سيرتها الذاتية. عن يوم 2 نوفمبر 1976، وانفجار قنبلة في شقة العائلة، التي تقع في 9 فيلا بوارييه، في الدائرة الخامسة عشرة في باريس. وكانت العائلة تعيش في طابقين. في الطابق الرابع، توجد شقة الوالدين التي تصلح تارة لمنزل وتارة للمداومة السياسية. مُجمّع يقصده كل اليمين المتطرف لتناول وجبة العشاء. الفتيات ينمن في الطابق العلوي. يجب صعود السلالم الخارجية للوصول الى غرفهم. ممر تعبر يان في كثير من الأحيان لزيارة جيرانها الذين يقطنون في نفس الطابق حيث تحتفظ احيانا بابنهم الصغير. وأحيانا قد تنام فيه ليلة كاملة. ولكن ليس تلك الليلة. فقد فضلت العودة إلى سريرها وبالتالي تجنبت الكارثة. فالشقيقات الثلاث كن غارقات في النوم عندما وقع الانفجار، حوالي الرابعة صباحا. وبعد مرور ثلاثين عاما، لم تتذكر مارين لوبان أي ضجيج، مجرد تيار ضخم من الهواء: "إنه البرد الذي أيقظني. ام الصمت. صمت الموتى، صوت يصم الآذان ما يكفي لانتزاع فتاة صغيرة في الثامنة من عمرها من سباتها "[1]. فتناثر الزجاج المكسور في غرفتها. وصرخت شقيقتها يان، التي لم تكن تراها بسبب الدخان، لتطلب منها المكوث في مكانها دون حركة. ثقب كبير عوض السلم. حفرة كبيرة عرضها 20 مترا. ذهبت في مهب الديناميت التي وضعت على مستوى عتبة شقة الوالدين. عشرين كيلوغراما حسب مارين لوبان، 5 كيلوغرامات وفقا للشرطة. لا يهم. فالأثار واضحة، انه مُدمّرة. "نحن الآن ثلاثة على سرير يان، خائفات حتى الموت. راكعات، نرتجف، الأيادي متماسكة مع بعض، نصلّي بحماس اليائسين: "السلام عليك يا مريم ..."، عندما سمعنا صوت أبي الذي يصرخ من الطابق السفلي: "الفتيات! الفتيات ! هل أنتن على قيد الحياة؟ "[2]. واضاف "لم يصبهن مكروه، باستثناء بعض الخدوش والخوف الكبير". والجيران أيضا. ولكن الرضيع قد اختفى. سنجده في وقت لاحق، معلقا في الهواء بواسطة شنطة نومه. حفظه الفراش من صدمة السقوط. لديه كسر في الذراع فقط. في النهاية، كلب البودل في ملك الفتيات لوبان، هو الوحيد الذي أدى ثمن هذا الحادث. تحدثت الصحافة حينها عن "معجزة"[3].

ليست هذه هي المرة الأولى التي يقوم بها أعداء جان ماري لوبان محاولة تصفية حسابه بالمتفجرات. تم تفجير باب المبنى عام 1961، كما وقع لمقر دار النشر سنة 1975. ولكن هجوم سنة 1976 هو أكثر خطورة حيث ضربه في عقر داره. بالنسبة للشابة مارين لوبان هي بمثابة "ليلة رعب"، وبداية صحوة عنيفة. أدركت أن أسرتها ليست أسرة مثل أي أسرة أخرى. أولئك الذين يقضون أمسياتهم داخل البيت ويلجون بشكل مفاجئ ليسوا أصدقاء فقط ولكن رفاق السلاح. وأن والدها "يمارس السياسة"، وهذا أمر خطير، "كنت في الثامنة من عمري عندما أدركت فجأة أن والدي شخصية مشهورة، وأنه مُلام. وفهمت أيضا أن الموت يتترقب والدي وقد يموت فعلا، وما هو أسوأ من ذلك، هو أن يموت لأنه مستهدف بالقتل " [4]. لسنوات ستعيش مارين لوبان في الخوف من ان" يحدث مكروها " لوالدها. خوف لم يفعل لوبان الأب أي شيء لتجنبه. عندما تُوفي جان بيير ستيربوا سوف في حادث سيارة، وبعد مرور اثني عشر عاما، سوف يأخذها معه إلى المشرحة لرأية جثته: "تعالى معي. فأنا لا أريد أن يكون أول ميت ترين في حياتك هو أنا [5]"...

ويرجع تاريخ النفور الجدري لمارين لوبان من الإرهاب[6] الى ذلك الوقت. الى درجة الخروج عن وعيها في قنات ايل سي اي LCI، عندما ذكّرتها مشاهدة للبرنامج جرأة أبيها في التّقليل من حدة هجمات 11 سبتمبر. "سيدتي، وهي تنفجر في وجهها، ليس هناك دروسا أتلقاها منك. لقد كنت انا نفسي ضحية للإرهاب. لقد تلقيت 20 كيلوغراما من الديناميت في عمارتي. ولقد وجدت نفسي في الشارع. تم تدمير المبنى بأكمله. لذلك، ليس هناك دروسا اتلقاها منك حول الرثاء الذي علينا ان نشعر به اتجاه الضحايا! [7]"هذا الهجوم، وحتى كيفية عيش الأسرة في وقت لاحق، غيّرت الصغير مارين لوبان. من هنا جاءت رغبتها في الانصهار مع والده لمواجهة المحن والظلم. وبعد ثلاثين عاما، مازالت ترى هذه المحن وهذا الظلم في كل مكان. وكذلك كون والدها "لم يتلق أدنى إشارة تضامنية أو شفقة من السلطات". وفي كون الشرطة لم تعثر على المذنبين، "هل قاموا بالبحث عنهم؟ آمل ذلك، ولكن ليس هناك ما يأكّد هذا الأمر "." كما لو ان هناك ضحايا تستحق ذلك، أضافت بعد ذلك في فقرة اخرى... أنّه من الضحايا الذين يستحقّون مصيرهم ... وهكذا، في رعيان سن الدمى، أصبحت على بيّنة من هذا الشيء الفظيع وغير المفهوم بالنسبة لي، أنّنا لا نعامل على قدم المساواة مع الآخرين"[8]. هذه" المعاملة التفضيلية "ستصبح، حسب تعبيرها،" محرك كرهها للظلم".

في الواقع، لم يتم التخلي عن والدها تماما. لقد تلقى زيارة عضو مجلس البلدية: الكونت برتراند دي ميغري، نجل ميشال بونياتوفسكي، وزير الداخلية. علامة تدل على انه محط اهتمام المسؤولين على أعلى المستويات. حتى لو كانت أعلى السلطات لم تتنقّل لتفقّد أحواله. غير انه وهذا الأمر صحيح أيضا، لم تفض تحقيقات الشرطة الى شيء. هذا لا يعني أن جان ماري لوبان لم يُكوّن قناعة راسخة حول هُوية المُذنبين ... الاّ أنه عندما سُأل، بعد مرور خمسة وثلاثين عام من وقوع الحادثة، اعطي نفس التصريح الذي قدّمته ابنته: "لا نجد أبدا، عندما نكون نحن هم الضحايا، الجناة. إلاّ في حالة واحدة، في مرسيليا. مجموعة الفوضويين الإرهابية التي وضعت ثمانية قنابل، والأخيرة في بيت كاتبنا في الإدارة اللامركزية ".[9] ويعود تاريخ هذه الواقعة الى عام 1990، وقد أدّت في الواقع إلى القبض على اثنين من الفوضويين وإدانتهم[10]. ولكن يجب أن نعلم أن سبل البحث عن الجناة في الهجوم الذي وقع في 1976 ، لم تؤد الى اليسارالمتطرّف... فمن الصعب على جان ماري لوبان تجاهل هذا الأمر، لأنه كان على علم بذلك. عن طريق محاميه آنذاك، جان أندريه غيبير، الذي كلّفه بإجراء التحقيق في الموضوع. فكلّف هذا الأخير بدوره محققا خاصا، الذي عثر على شخصين يتّهمان بعضهما البعض بارتكاب الهجوم. هذا ما يكشف الصحفي لازلو ليزكاي في كتابه عن مارين لوبان، والذي نشر في عام 2011[11]. فهو يثير حقائق دقيقة ومثيرة للقلق، غير معروفة حتى الآن عند عامة الناس. ولنتحقّق من الأمر، سمح لنا الكاتب لقاء المخبر المذكور، الذي أكّد روايته.

انّه معروف باسم مارتيني، وهو اسم مكتبه للبحث، واسم الرجل الحقيقي هو أنطوان ميليرو. قام بنشر كتاب عن "اليد الحمراء"، وهي منظمة سرية انشأت قصد إجراء بعض "عمليات مكافحة الارهاب" لحساب مكتب "ضد التجسس الفرنسي"، في الوقت الذي كان يواجه حركات القوميين التونسيين والمغاربة بكل الوسائل[12]. هذه المنظمة، تعرف عليها عن كثب، بما في ذلك في عام 1952 في المغرب، حيث كان ميليرو يعمل شرطيا. عند وصوله الى فرنسا، بدأ يعمل في حماية الشخصيات الخطيرة مثل بيير بوجاد وبعض المجرمين الكبار، قبل أن يتم اعتقاله في سير التحقيقات حول "اليد الحمراء". وقام بالدفاع عنه جان باتيست بياجي وهو من المحامين الكبار، ومن أصحاب المؤيدين لجزائر فرنسية، ولكن أيضا عن طريق أندريه جان غيلبيرت، هو أيضا محام لوبان. وبعد الهجوم، طلب هذا الأخير إلى أنطوان ميليرو القيام بالتحقيق. واضاف "انه طلب مني ان اذهب لأقابله وأحاول معرفة المزيد عن طريق معارفي"، كما حكى المخبر. وخبّر كل من يحب ان يسمع أن هناك مكافأة في انتظار كل من ساعد في معرفة الحقيقة. جاء رجل يطرق بابه. انّه برينطانوف. يتعارفان منذ زمن. لعدة أشهر، حاول رفقة مساعده، شخص يدعى جيامارينارو، التطلع للعمل في مكتبه. دون جدوى. فميليرو لم يكن يعتبره أهلا بالثقة. ولكن هذه المرة، برينطانوف أراد أن يعترف. فأخده المخبر إلى ملهى حيث لديه عاداته. وشرب الرجل كثيرا ثم بدأ يتّهم نفسه باقتراف ضربة " فيلا بوارييه" رفقة شريكه. وهَمّ يذكر التفاصيل. كواقعة اقتناء كيس من الديناميت "في مقلع" ووضعها في الطابق الرابع، في محاولة متعمدة لقتل جان ماري لوبان، وتحقيق ساعتها "الى ما دون عشرة دقائق ". والعقد الذي يشكو من عدم تلقي ثمنه بكامله. "أعتقد أن شريكه هو من احتفظ بالمال"، كما ذكر ميليرو[13]. فنقل المعلومات إلى محامي جان ماري لوبان، الذي حذّر الشرطة الجنائية. فتم القبض على الرجلين، واعترفا بالحقائق قبل ان يتراجعا عن أقوالهما في آخر لحظة. فانتهى التحقيق هنا. ولم يتم ابدا الوصول الى العقل المدبّر.

من هو ؟ لا يوجد شيء يبرهن عن ذلك. وفقا أنطوان ميليرو "، الشرطة الجنائية " مقتنعة بأنها قضية تخضع الى اختصاص المحاكم العادية "[14]. جان ماري لوبان كان حينها في قلب تحدي مالي ضخم. هوبرت لامبرت، وريث الأسمنت لامبرت، توفي للتو قبل بضعة أسابيع. لم يتحمّل البقاء على قيد الحياة بعد وفاة والدته التي كان يعيش معها، في عزلة شبه تامّة في سان كلود. متقلب وهش، لامبرت شاب كان يدعم القضية القومية ويعد باعطاء ثروته بكل سرور لأولئك الذين يقومون بزيارته: فقام بتفقد أحواله لمدّة طويلة  بيير سيدوس من حركة "لوفر فرانسيس" ، كما تردّد عليه جان ماري لوبان. كان لزوجته، بيريت، اتصالا دافئا ومنتظما لا سيما مع هذا الثنائي الغريب الذي يشكله لامبرت مع والدته: "كانت علاقتي جيدة مع السيدة لامبرت. كانت تحب كثيرا جان ماري، كما أحبت الفتيات، وأصبحت من عائلتنا"[15]وفي الوقت نفسه، كانت عائلة لامبرت تحرر الوصية لصالح من تحب أكثر وقتها. وكانت آخر وصية باسم جان ماري لوبان. مما أثار استياء وريث آخر، فيليب لامبرت، الذي كان يقيم في مونتروت، والذي أخفى لعدة أيام وفاة ابن عمه. لربح الوقت حتى يجمع الأدلة على أن قريبه فاقدا لعقله  مما يبطل مضمون الوصية. وفقا لازلو ليزسكاي، انّها المهمة - جمع الأدلة - التي كان قد كلّف بها واحد من الضباطين للشرطة السابقان الذين اتهما بعضهما البعض بارتكاب الهجوم على فيلا بوارييه. دون ان نستطيع استنتاج أنه بعد ذلك طلب شيئا آخر. لان الرجالان يدوران أيضا في فلك شبكات المنظمة السرية المسلّحة و"لوفر فرانسيس"، الذين يشعرون بأنهم خُدعوا من قبل هذه الوصية التي كُتبت لصالح جان ماري لوبان. نحن في عصر يتم فيه زرع القنابل بسهولة في هذه الأوساط. رُعب تنسبه مارين لوبان على ما يبدوا، في وقت لاحق، الى المناخ المضاد للفاشية ... في حين أن هذه الأدلة التي سقطت الآن في الملك العام، تؤدي إما إلى قضايا ذات صبغة شخصية، أو إلى اليمين المتطرف.




 لكن أين هي الحقيقة؟ فلن نتعرف عليها أبدا. لم تكلف الشرطة نفسها عناء التحقيق حتى النهاية. "بالنسبة لهم، كان قضية صغيرة"، كما شرح لازلو ليزسكاي، الذي وجد رجال الشرطة الذين كانوا يمارسون مهامهم في ذلك الوقت[16]. في نظر مارين لوبان، هذا النقص في المثابرة يُعبّر فقط عن نوع من أنواع الظلم. ومع ذلك، لم تذكر في أي وقت من الأوقات، موجة من أعمال العنف التي أدْمت فرنسا نفس السنوات[17]. من 1977 إلى عام 1979، حيث سيقوم إرهابيي اليمين المتطرف ارتكاب ما لا يقل عن اثني عشر من الهجمات: اطلاق النار ضد اعتصام عمال ميكانيكية مصانع الزجاج في ريمس (قتيل واحد) ، طرد مفخخ ضد جريدة "روج" انفجار ضد بعثة فرنسية (التي كانت تأوي لاجئين التشيلي)، انفجار في مقر مطبعة اديسيون سبيسيال، طرد مفخخ خارج مقر الحزب الشيوعي الفرنسي، انفجار خارج مكاتب مجلة "فرنسا الاتحاد السوفييتي" ، هجمات ضد نزل ساناكوترا (لإيواء العمال المهاجرين) غارة ضد اجتماع "مناهضة الأعمال العسكرية"، هجوم في حق عصبة حقوق الإنسان ... لن يتم العثور في أي من هاته الحالات التي تحمل بصمة اليمين المتطرف، عن الجناة.  فعائلة لوبان ليست ضحية لمعاملة خاصة (بسبب عدم العثور على الجناة وراء انفجار عمارة عائلتها). غير أنه من الملاحظ انها تملك ذاكرة وتكِنّ سخطا انتقائيين إلى حدّ ما.

كارولين فوريست وفياميتا فينّر  



[1] مارين لوبان، ضد الموجات، مرجع سابق. المرجع السابق، ص. 9.
[2] المرجع نفسه، ص 12.
 [3] "معجزة عيد جميع القديسين"، لو باريزيان، 3 نوفمبر 1976
[4]مارين لوبان، ضد الموجات، المرجع السابق، ص. 17.
[5]المرجع نفسه، ص 100. توفي جان بيير ستيربوا  في 5 نوفمبر 1988 في حادث سيارة بين درو وباريس. انتخب في البرلمان الأوروبي في قائمة جان ماري لوبان سنة 1984، ونائب هوت دو سين في عام 1986، وهو أحد رفقاء الدرب الأكثر أهمية بالنسبة له. انظر أيضا ميشيل تريبلات، رحلة إلى قلب الابتآس، وسيروس 1999.
[6]مارين لوبان، ضد الموجات، مرجع سابق. المرجع السابق، ص. 21.
[7] برنامج لفاليري إيكسبيرت، ايل سي اي LCI، لديك الكلمة، 1 أبريل 2007.
[8] مارين لوبان، ضد الموجات، مرجع سابق. المرجع السابق، ص. 19-20.
[9] مقابلة مع جان ماري لوبان، 6 مايو 2011.
[10]هذه هي المجموعة الفرنك-الرماة، التي تبنّت العديد من الهجمات ضد اليمين المتطرف من عام 1991 إلى عام 1998. ليبيراسيون، 16 أكتوبر، 1999.
[11]لازلو ليسزكاي ، مارين لوبان: الجبهة الوطنية الجديد ، فافر، 2011، ص 33-37.
 [12]أنطوان ميليرو، واليد الحمراء، طبعات دو روشيه، 1997 260 ص.
[13] مقابلة مع أنطوان ميليرو ، 4 مايو 2011.
 [14]المرجع نفسه.
 [15] لوران دولاهوس، "يوم واحد، ومصير: جان ماري لوبان" فرنسا 2، 28 سبتمبر 2010.
[16]مقابلة مع لازلو ليسزكاي، 22 أبريل 2011.
[17]ليبراسيون، 21 سبتمبر 1979.

الأربعاء، 1 فبراير، 2017

لماذا تمتثل الجبهة الوطنية الصّمت الى هذا الحد حول ملف الوظائف الوهمية؟



تعتبر الجبهة الوطنية من الأكثر الأحزاب تورّطا في مثل هذه القضايا ... هذا ما حكاه لنا جان كلود مارتينيز، برلماني اوروبي سابق للجبهة الوطنية في الكتاب الذي نشرناه "الوجه الحقيقي لمارين لوبان". لقد ربح القضية التي رفعها الحزب ضده بسبب هذه الأقوال كما ادلى للقاضي، عند مثوله أمامه، بعقد عمل مساعدته البرلمانية... والذي يتضمن حرفيا اشتغالها في سانت كلاود! عدد قليل من الزملاء الصحفيين أشاروا الى هذه القضية حينها. بيد ان هذا الأمر تم الكشف عنه في هذا الكتاب منذ خمس سنوات، خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، من دون أن تُشكل هذه الاعترافات أية فضيحة تُذكر.






" تُطعم الجبهة الوطنية بناتكم وأزواج بناتكم " هكذا صاح بها يوما جان إيف لو غايو، الرجل الثاني للحركة الوطنية الجمهورية، لجان ماري لوبان[1]. في الواقع، فإن عشيرة لوبان كانت تعيش أساسا من المال العام، سواء كانت ولاية أو وظائف مموّلة جزئيا من قبل النظام الانتخابي. أكثر من 30 مليون يورو خلال عشرين عاما. يان لوبان تتقاضى راتبا جديدا كمساعدة برلمانية لبرونو غوانيش. أما بالنسبة لشقيقتها الصغيرة، فلا يمكن لها ان تبقى اجيرة للقطب القانوني منذ ان أصبحت تُراكم الولايات. ويكفي القول إنها مازالت تقاوم تهمة التلميح بالمحسوبية. فهي تخشى كثيرا مقارنتها بجان ساركوزي: "أنا لست جان ساركوزي، ثلاثة وعشرون سنة، وهو مازال في السنة الثانية من كلية القانون. امّا أنا فمهنتي محامية. واعمل بالجبهة الوطنية منذ خمسة وعشرين عاما. انتُخبت عضوة في البرلمان الأوروبي وعضوة في مجلس نور-با-دو-كاليه. لقد برهنت على جدارتي، أليس كذلك؟ " [2]. لست متأكدا، انها في وضعية مميزة تخول لها إعطاء الدروس حول الجدارة. في مقال "ضد الموجات"، كان حديثها مثيرا للشفقة عن مدى الإرهاق الذي تشرع به عند القيام بالحملة الانتخابية وهي في نفس الوقت متفانية في تربية أطفالها الثلاث. ما هو اكيد والأكثر إثارة للدهشة، عند تصحّف المقال هو الاحساس بالسرور الذي عبرت عنه كون والدها قام بإهدائها "عشرة امسيات لمجالسة الأطفال" في عام 1999! كما لو كان هذا الامر سخاء لا يصدق. لكن مارين لوبان، بالأجور التي تتقاضاها، هل هي في حاجة أيضا ان تُدفع أمسيات مجالسة أطفالها؟ هذا السؤال لوحده اخرج جان كلود مارتينيز عن وعيه"، قام البرلمان الأوروبي بدفع تكلفة مجالسة أطفالها، من مستحقاتي! جعلوني أُشغّل هوغيت فاطنة، عرابة الأطفال، كمساعدة برلمانية ... وهي في ذلك الوقت لم تكن تعرف حتى اين يوجد البرلمان الأوروبي، انها لم تذهب اليه قط. وفي المقابل كانت تمضي وقتها في مجالسة اطفال مارين[3]! "تصريح قامت هوغيت فاطنة بنفيه. ووفقا لما صرّحت به، كان ذلك يحدث "عند استنفاد صبر المُربية"[4]. ومع ذلك، أشارت مارين لوبين في كتابها، أن صديقتها المقربة قامت بزيارتها "كل ليلة" خلال العام اللّعين، بعد ولادة التوءم[5].
إذا كان المال هو عصب الحرب، فهو في قلب العديد من الصراعات داخل الجبهة الوطنية. حتى انه تسبب في تقسيم أسرة لوبان. في وقت الانفصال، اقترن الصراع السّياسي والعائلي بالنّزاع المالي. كانت ماري كارولين لوبان مديرة "سيرب"، وهي شركة التسجيل التي يملكها والدها منذ عام 1992، وذلك لأسباب ضريبية حصرا. في وقت الشجار، وقد اختارت معسكر الطرف الخائن، سعت للحفاظ على الشركة. غير أن والدها لم يسمح بذلك. وكما هو الأمر بالنسبة للجبهة الوطنية في العديد من الأحيان، يتم رفع الصراع أمام المحاكم. وقامت المحكمة التجارية في باريس يوم 16 سبتمبر 1999 بالتحكيم. فأصبح على شركة "سيرب" دفع مبلغ 516000 فرنك لجان ماري لوبان كتعويض للدّفوعات التي قدمها للشركة (شكل من أشكال القروض التي كان يسعى استرداده).  أما محامي ماري كارولين لوبان، فاعتبر أن على جان ماري لوبان دفع مبلغ  750000 فرنك إلى "سيرب". مبلغ يفترض أنه يعكس راتب طبّاخه... المدفوع من حساب الشركة. وفي عام 2000، كما لو تعلق الأمر بإرضاء رغبات الجميع، أعلنت "سيرب" عن افلاسها[6].

كارولين فوريست و فياميتا فينّر


[1] كريستوف فورصاري، " الخلط في الحسابات"، مجلة ليبيراسيون، 26 أبريل 2002.
[2]  باسكال نيفيل: "إنها لا تشبه الشقراوات"، مجلة ليبيراسيون، 15 يناير 2011.
[3]  مقابلة مع جان كلود مارتينيز، 14 مارس 2011.
[4]     مقابلة مع هوغيت فاطنة، 11 مايو 2011.
[5]     مارين لوبان، ضد الموجات، غرانشير، ص. 181.
[6] تم وضعها تحت التصفية القضائية يوم 30 مارس 2000. وستختفي نهائيا "سيرب" بدافع "إغلاق بسبب موجودات غير كافية"