الجمعة، 18 يناير 2008

التنوع ضد المساواة

 هي ثورة معاكسة صغيرة قادمة لا محالة. بحجة محاربة كل اشكال التمييز، فقد رغِب رئيس الجمهورية في تسجيل "التنوع" في ديباجة الدستور. وأعتبر هذا الإعلان شعبوي. هل تم قياس جديا مدى رمزية هذا التتويج؟
فديباجة دستور عام 1958 "يعلن رسميا التزامه بحقوق الإنسان ومبادئ السيادة الوطنية على النحو الذي حدده إعلان سنة 1789، كما تم تأكيده وتتميمه في ديباجة دستور 1946 ".

ففي مادته الأولى، يقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ان "الرجال يولدون ويبقون أحرارا ومتساويي الحقوق. فلا يمكن تأسيس التمييز الاجتماعي الا لفائدة الصالح العام ". فديباجة دستور 1946، التي تنص عن المساواة بين الجنسين، تضيف أنه "لا يجوز لأحد أن يتعرض للأذى، في عمله أو وظيفته بسبب أصله، أو آراءه أو معتقدات ". هذا يعني أن المساواة بين الجميع تشكل جوهر الدستور الحالي. لماذا نريد إذاً ادخال كلمة "التنوع"، إضافة إلى كلمة "المساواة"؟

السبب على ما يبدو تقني. فباسم المساواة، قام المجلس الدستوري مؤخرا بإبطال الفصل 63 من قوانين أورتوفو Hortefeux التي تنص على إنشاء الإحصائيات العرقية والتي تدعا "التنوع". قد يثير هذا الأمر استياء المتفائلين لكن الغرض من هذه الإحصائيات لا تهدف إلى قياس التمييز والتحيز -فهذه الدراسات متوفرة بالفعل – بقدر ما تسمح التعقب الحقيقي للأقليات، وذلك من أجل الاستخدام السياسي لها والتي عاجلا ما سوف تنزلق هذه الاحصائيات من ايدي العلماء ذوي النوايا الحسنة. ويبدو أن هذه النوايا السياسية تحاول الالتفاف على هذا الحاجز الدستوري، بإضافة لفظ "التنوع" -ثمرة ميول وسائل الاعلام مؤخرا – لشعار "الحرية، المساواة، الإخاء". وبدون شك، هذه الاضافة تأسس لانتصار الحق في الاختلاف على الحق في اللامبالاة في التساوي. وهذا بعيد أساسا بالذات عن إرث الثورة الفرنسية، بل يقرِّبنا أكثر من التصور الأنجلوسكسوني بامتياز، فأكثر مفارقة وأكثر طائفية. وذلك بالتّأكيد على ما يفرِّق بيننا وليس بالتّأكيد على ما يجمعنا. فعن أي تنوُّع نتكلم نحن؟ ما هي تلك الاختلافات المهمة التي تجعل منا كائنات "مختلفة" وليس متشابهة؟ أهو لون الجلد، ام أصل آبائنا أم ديننا؟ هل هذا حقا ما يجعل منّا مواطنين مختلفين الى درجة تشكيل مكونات كوكتيل جمهوري غريب وعجيب؟

يبدو أن الفكرة قد نالت الاعجاب. ومن المؤكد أن استخدام كلمة "التنوع" لديه ميزة في الكفاح ضد الإغواء بحصر استعمال "الرجل" في الإعلان العالمي، في صيغته المهيمنة. لكنه يجب الانتباه عند إساءة استعمال اللغة. فاستخدام كلمة "التنوع" لإيقاظ أوجه النظر في وسائل الإعلام تبدو ايجابية ولكن بشكل عابر. فيمكن استحضارعلى سبيل المثال، تنصيب النماذج المنبثقة من الأقلية المرئية في مناصب مسؤولية في الحكومة أو تجديد النخب على هذا المنوال. وهذا لا يمت بصلة ادخال كلمة "التنوع" في ديباجة الدستور. عندما تصبح كلمة "التنوع" محفورة، سيكون لها تأثير على السياسات العامة. فمكافحة عدم المساواة، التي يصعب تحقيقها على المدى القصير، قد يتم التخلي عنها مقابل سياسة آثارها آنية، وظهورها بارز، سياسة يتم دردرة الغبار العرقي عليها. وبدون ذكر اسمها، لأن هذا غير مرغوب فيه، فهذا "التمييز الإيجابي" سوف يخفي وبلا شك، استمرار الفوارق والتفاوتات في العمق.

ليس هناك من هو ضد فكرة إعطاء المزيد لمن لديهم القليل. فالنقاش الوحيد يدور حول طبيعة المعايير المعتمدة. وقد أسفر هذا الطموح حتى الآن عن وضع سياسات تهدف الى تصحيح عدم المساواة استنادا إلى المعايير الاجتماعية والاقتصادية، مثل توفير موارد إضافية لمناطق التعليم ذات الأولوية. وعيا بالتوفير التي يحققه نهج مثل هذه السياسات، فقد قرر الرئيس القيام بهذه الموازنات ليس على أساس "المجال" ولكن على أساس "الأفراد". خصوصا اتجاه الأفراد الذين هم "لون بشرتهم تختلف عن بشرة الأغلبية." غير انه إذا كان المعيار "العرقي " يحل محل المعيار الاجتماعي، فابن دبلوماسي اسود مثلا يعيش في الدائرة السادسة عشرة يمكن أن يستفيد من التعويضات والمساعدات التي قد نرفضها لنجل أحد العمال الذي يعيش في سين سان دنيس.

فتخيلوا فرضية التصعيد التي قد تمارسه الضحايا والاستياء الطائفي التي قد تولده هذه المقاربة؟ الى جانب الطبيعة الغير هادفة لهذه التدابير بالنسبة لمن مورس عليهم التمييز أنفسهم. إذا كان ابن الدبلوماسي الاسود لا يحتاج الى مساعدة الدولة للدراسة، فإنه يحتاج الى تراجع العنصرية ضد السود. ف"التمييز الإيجابي" الذي يتمثل في التعيين في مناصب مسؤولية وفق معايير عرقية، بغض النظر عن ظروف الموارد، سيعتبر على التو "امتياز". وعلى المدى البعيد، "فالكيل بمكيالين" قد يبرر توقف الفرنسيين عن الاحساس بالذنب، وبالتالي توقفهم عن تفكيك احكامهم المسبقة اتجاه الأقليات. أما بالنسبة للأقلية الناجحة، فمؤهلاتها سوف توضع محل شك، حتى لو لم تحصل أبدا على امتياز معين.

ان الآثار التي سوف يتم غالبا الحصول عليها سوف تكون مغايرة للأثار المرتقبة. فبعد سنوات من الاحساس بالوعي المناهض للعنصرية، نقوم بتدشين عملية تفضيلية تحيي من جديد الأحكام المسبقة. وفي نهاية المطاف، قد يحل احترام "التنوع" محلّ البحث عن المساواة وقد يتعارض أيضا معها.

للتاريخ: هذا العمود هو الأول في صحيفة لوموند وبداية لصراع طويل ضد موضة عرض "التنوع" للإخفاء الافضل لغرض الإقلاع عن مفهوم المساواة.


كارولين فوريست في كتابها "عندما يتحلى اليسار بالشجاعة"

لوموند، 18 يناير 2008

الخميس، 23 أغسطس 2007

« 100 امرأة مسلمة يتحدثن عن أنفسهن »



« 100 امرأة مسلمة يتحدثن عن أنفسهن » هي سلسلة من اللقاءات أعدت لها كورين إيفينس وأخرجتها كارولين فوريست وفياميتا فينير. إنها مجموعة من 100 فيلم قصير، أي 100 ميكروفون تتحدث فيها 100 امرأة مسلمة.

كثيرًا ما نسمع عن النساء المسلمات في إطار أحداث تراجيدية من خلال قصص تروي قمع هؤلاء النساء. غير أننا أردنا تصور مشروع يبرز تنوع حياة يومية أكثر ثراءً وتعقيدًا من ذلك.

لقد بدأنا التصوير في عام 2007. وأنتجنا أكثر من 70 فيلمًا في 14 بلدًا.
تقوم حاليًا قناة فرانس 24 ببث العشرين فيلمًا الأولى وما زلنا نبحث عن تمويل لوضع اللمسات الأخيرة على المشروع. هدفنا هو جعل هذا المشروع في متناول الجميع. وأن تسهم هذه الشهادات الحية في إثراء من يشاهدونها وفي إسقاط بعض الأحكام المسبقة.

عما نتحدث في هذا المشروع؟

عن كل شيء: عن بلدان هؤلاء النساء ومستقبل هذه البلدان، عن الحياة اليومية، عن أفراح المرأة المسلمة وأحزانها. نعالج مواضيع متعددة على غرار الطفولة والأمومة وهوية المرأة داخل المجتمع والحياة الاقتصادية. نحاول أيضًا النظر مع هؤلاء النساء في أحلامهن وفي الطريقة التي يتخيلن بها مستقبلهن.
من خلال صورة هؤلاء النساء تمكننا من اكتشاف مناطق مختلفة ومهن متنوعة، بين مصممة عرائس في إندونيسيا، وفلاحة على ضفاف النيل، ومديرة كرم للنبيذ على الحدود السورية وعالمة دين في مصر ونقابية في العراق ورائدة فضاء من إيران ورسامة من باكستان…

لقد شكل هذا المشروع فرصة لفتح آفاق جديدة حول طرق ممارسة العقيدة الإسلامية. كما اخترنا إبراز الأقليات المسلمة ليتعرف المشاهد على أنماط دينية غير معروفة وأقل انتشارًا في الدول الإسلامية. لذا أعطينا الكلمة لنساء علاهيات من تركيا وخوارج وإسماعيليات ونساء أئمة وأخريات اعتنقن الصوفية… وأحيانًا نجد أن الأقلية في منطقة ما تشكل أغلبية في منطقة أخرى على غرار الشيعة الذين يتعرضون للاضطهاد على يد جماعات متطرفة في باكستان والسنة الذين يعيشون إقصاءً من طرف المجتمع الراقي في إيران.

لماذا 100؟

لأن مضاعفة الرؤى والشهادات الحية تبدو لنا أفضل طريقة لإظهار هذا التنوع، بعيدًا عن الصور الموحدة والجامدة للـ »مرأة المسلمة » وهي صور نمطية ومتكررة أصبح متعارفًا عليها.
لقد قررنا أن نأخذ في الاعتبار التوازن بين الإحصائيات على المستوى الجغرافي، فقمنا بدراسة مفصلة حول عدد المسلمات في كل منطقة عبر العالم. ووفقًا لهذا التقسيم فإن هدفنا هو لقاء 15 امرأة من أفريقيا جنوب الصحراء و56 امرأة من أصل آسيوي و5 من دول الاتحاد السوفيتي السابق و5 من المغرب العربي و5 من أوروبا وتركيا و14 من المشرق العربي.
إلا أننا تركنا جانبًا الإحصائيات الخاصة بمهن هؤلاء النساء وأوساطهن الاجتماعية وممارساتهن الثقافية. إذ كان ذلك ليؤدي إلى لقاء أغلبية ساحقة من النساء الآسيويات من المناطق الريفية. كل شهادة في هذا المشروع فريدة من نوعها. وما نريده هو إبراز شخصيات متنوعة لفنانات وكاتبات ونساء علم ورياضة وشخصيات منتخبة وناشطات ومثقفات ومزارعات وصاحبات محال تجارية وربات بيوت.
لذا فقد اخترنا عينة تمثل هذا التنوع الثقافي. فعندما ننظر إلى العالم الإسلامي من منظور بريطاني نفكر بالدرجة الأولى في شبة القارة الهندية. وعندما ننظر إليه من منظور فرنسي فإننا نرى بصفة أساسية المغرب العربي. كل ينظر من نافذة خاصة به ولكل رؤية فريدة. لذا أردنا مضاعفة عدد هذه النوافذ، وذلك ليس فيما يخص تنوع الدول أو المهن فحسب، بل أيضًا فيما يتعلق بممارسة الدين.

كارولين فوريست وفياميتا فينير















الأربعاء، 24 يناير 2007

جنحة تمييز السحنة مع حالة العود

في 17 يناير الأخير وللمرة السادسة في أربع سنوات، ظهر أمام المحكمة أحمد مجيني  الناشط والصحفي في مجلة توك، تيكنيكار وقناة كنال بلوس. جريمته؟ استهدافه المقصود والممنهج من قبل عناصر الشرطة في المظاهرات -بسبب شعره الأسود والمجعد -واتهامه بارتكاب أعمال العنف "ضد أعوان السلطة" حتى يتسنّى لهم حجزه.

جاء العديد من الاشخاص إلى المحكمة لمساندة أحمد. منهم أعضاء فريق مجلة توك
، المجلة الملتزمة للثلاثينين والتي يعمل بها، كما حضر عدد من الشخصيات مثل رولان كاسترو أو تريستان مينديز-فرانس. ولا يمكن للغرفة الثانية التي تنظر في حالات الاستئناف احتواء كل الوافدين. "أنا محظوظ جدا لتلقّي كل هذا الدعم" حيث يعلق أحمد في ميكرو كاميرا موقعه الخاص بشبكة الأنترنيت. فيتقدم هادئا ولكنه مسلّما. انه يحترم العدالة، وإن كان قد فقد ثقته بها. فقد تمت إدانته خلال زيارته الأخيرة للمحكمة على أساس رواية للشرطة فنّدها.


 قد تتفانى في خدمة فرنسا، لكنها لن تجازيك على ذلك. ابن حركي، قدم ​​أحمد خدمة للجمهورية كرجل الاطفاء وخدم الأمة الفرنسية كجندي في يوغوسلافيا السابقة. عاد وهو مشتاق لخوض حروب أكثر سلميّة. ففي يوليو 2002، تظاهرأحمد في شوارع ستراسبورغ، بدعوة من شبكة بلا حدود ، لدعم قضية المهاجرين الغير الشرعيين عندما هاجمت الشرطة بأجهزة فلاش بول. وتم القبض على أحمد عندما كان يسعف جريحا في تلك المظاهرة. قد يكون لديه وجه ملائكي، فبسترته الجلدية وشعره الطويل المجعد، يبقى المستهدف المثالي للشرطة.

عندما اعتُقل من دون سبب، هرب أحمد. وتم القبض عليه من قبل مجموعة كسّرت معصميه وقيدت يديه وهو طريح في الأرض. أيّ حركة تصدُر عنه، يصبح متهما بارتكاب أعمال العنف ضد أعوان السلطة. حكم عليه بغرامة تقدر بألف أورو وثلاثة أشهر سجنا نافدة، قضى نصفها في حبس انفرادي حتى لا تؤثر أفكاره الليبرالية حول السجن على باقي السجناء. فقد تمت مساندته من قبل مجلة ليبيراسيون
 و لومانيتي  ولكن هذا لا يمنع من كون هذه التجربة تبقى مروعة وسجله العدلي مرصص. هذا السجل الذي سيضاف اليه سطر آخر من جديد بمناسبة عملية قادها ضد إشهار. بينما كان يقوم بسحب من الحائط ملصقات نشطاء آخرين، قام عمال شركة ايرأ تي بيRATP    بالقبض عليه واتهامه بالاعتداء على الاعوان وإهانتهم وذلك بالرغم من شهادة عيان الذين اكّدوا أن أحمد لم يكن عنيفا.

وبعد ذلك عاش أحداث أخرى أدخلته حلقة جهنمية. إذ يشارك أحمد كناشط، وكذلك أيضا كصحافي، في العديد من المظاهرات. وذلك دون ان يحدث اي مشكل. الى أن حضر المظاهرات المناهضة ل
CPE. ففي يوم 14 مارس 2006، وقد كان في مهمة لمجلة توك، يقف أمام جامعة السوربون، حين حاول مجموعة من الطلبة  الهائجين احتلال الجامعة. وكان المتزعمون يقومون من حوله بقدف حاجز الشرطة بكل ما تقع أيديهم عليه. أما أحمد فكان يكتب ملاحظاته على دفتره ويتحدث مع مصور من وكالة كابا. فجأة، قام رجال الشرطة من الخط الثاني بالهجوم. وفي الاندفاع، وقع كثير من الناس على الأرض ودُهسوا، ومن بينهم أحمد. فأوقفت الشرطة أحمد واشخاص آخرون جانبا ولم يكن حينها يتخيل لحظة واحدة انه سوف يتم القبض عليه: "قال لي الشرطي الذي وضعنا جانبا هنا أنه إجراء الهدف منه حمايتنا، وسيُفرج عنا قريبا". وأضاف "وحين طلب الشرطي من رئيسه عمّا يجب القيام به فيما يخص الأشخاص الموقوفين جانبا. أجابه بدون تردد: "اقتراف أعمال العنف الجماعي للجميع! "


شهادات مرتبكة
يجد أحمد نفسه في السجن مع شاب يدعى زوكا. فارِق السّن بينهم يقرب العشر سنوات على الأقل، ولم يكونوا يتعارفوا، ولكن حسب ثلاثة عناصر من الشرطة التي كانت متمركزة بالقرب من المتظاهرين، والذين كانت رأيتهم محجوبة حينها بسبب وابل من القذائف، تم اعتبارهم من المتزعمين... فكانت شهادة عناصر الشرطة غير واضحة. فواحد منهم يشكو من تدهور حالة ساقه، لكنه صرح أن المتهمين قاوموا "مقاومة قوية، دون ارتداء الضربات." ويشكوا البعض الآخر من إصابات خطيرة في الفخذ الداخلي بسبب قذائف حجر الرصيف، لكنه اعترف أنه: "لا أستطيع أن أقول من فيهما ألقى عليّ هذا الحجر. "

عند الشك، وبنفس الأفعال المنسوبة إليهما، أطلق سراح الشاب زوكا بسرعة. وبقي أحمد. فناشد واستأنف حكمه. بصوته الهادئ، صوت واضح وشهادة موزونة. أشعر المحكمة بالانزعاج. فالروايات المختلفة دفعت به الى التعبير عن رغبته في سماع الشرطيين لمواجهتهم. وتم تأجيل الجلسة إلى 6 أبريل.


أراد أحمد أن يُنهي كل هذا، ولكنه ينتظر هذه المواجهة بفارغ الصبر، لهفة صحافي ناشط لا يطيق لا الكذب ولا الظلم.

كارولين فورست في 24/01/2007

الأحد، 5 نوفمبر 2006

الخلط الفكري لدى باسكال بونيفاس

أنشر هنا المقتطفات من عمود طويل كرسته لمقالي حول كتاب "أوقفوا النار" ، وهو كتاب يتضمّن مُقابلات حيث باسكال بونيفاس و إليزابيث شيملا يتقارعون السيوف. الجزء الأول من هذا العمود لا يعكس وجهات نظري، ولكن وجهة نظر المؤلفين. ولكن في المقال هذه هي الفقرة التي ردّ عليها باسكال بونيفاس ... بسوء نية واضحت جعلتني أندم على نشر السطور الأول من مقالي هذا.




"هذا الكتاب يساعد على استعادة بعض الفوارق البسيطة التي حاول التوتر والدعاية مسحها منذ عام 2000. باسكال بونيفاس ليس بقبيح أو بمعادي للسامية ولا هو إسلاموي بغيض. ومثله مثل اليزابيث شيملا ، فلاهي بغيضة تكره الإسلام أو هي عميلة للموساد. لكنهم متتبعين مهتمين، ذو حساسيات مختلفة. تحليلاتهم تقوم بإثراء النقاش العام الذي يجب أن يكون متناسبا مع التركيبات المعقدة للعالم. وليس بالسهل اللمس بالأصابع هذه القضايا المعقدة ولا شك هذا ما يميز هذا الكتاب. لم يكن الأمر سهلا. وكثيرا ما فكر المؤلفون التنازل عن هذا العمل طالما التوتر وسوء الفهم من شانه ان يولد قلة الصبر،وفي الأخير انعدام الاتزّان مما يُحيل دون تحقيق أهداف هذا اللقاء. ولكن ثابروا فوصلوا. شكرا لهم على حد سواء لهذه المساهمة. لأنها تعطينا الأمل في إحياء مناظرات، أجوائها خالية من محاكمات النوايا لصالح مواجهات سليمة وصريحة.

ولكن بما أننا جميعا نريد تدشين أجواء من النقاش الأكثر صدقا ممكن، أود هنا تصحيح محاكمة النوايا التي جاءت على فم باسكال بونيفاس حول شخصي في (صفحة 235). ليس في أي صفحة. بل عندما حثت اليزابيث شيملا، الباحث باسكال بونيفاس على إعطاء أمثلة تبين أن وسائل الإعلام تتسم ب"الإسلاموفوبيا" و عدوانية اتجاه الإسلام وتتآمر لتلويح إلى أن هناك أصولي او متطرف وراء كل مسلم. وقد شرح باسكال بونيفاس، وهو مُحرَج ، في نهاية المطاف إلى أن إعطاء جائزة الكتاب السياسي لكتاب فضيلة عمارة وكتابي، "الإغراء الظلامي"، تشهد على هذا المناخ المسموم. وعلى مشروع خفي.

" امرأة شابة تدّعي انتسابها الى اليسار، وهي متحمسة الى الدفاع عن الحريات والعلمانية، الأمر الذي جعل كتابها الناجح ضد طارق رمضان هو تعزيز وازن في إطار المعركة الأيديولوجية ضد لإسلاموية. كما أنها تدين بمبالغة حسب رأيي، تحالف بعض الحركات اليسارية مع الإسلاموية. فهي مُجنّدة تستحق المكافأة. "
لست متأكدة من فك الغاز أوتشفير جميع مضامين هذه التلميحات في خطابه، المُسيطر عليها بعناية، مثل هذا الحكم او الجملة. فانا مُجندة؟ مِن مَن ؟ لحساب أي شبكة محظورة من المفترض أنني أشتغل بها؟ هل يجب عليّ أن أضع هذه التلميحات بالتوازي مع اتهامات "بالصهيونية" المعلنة من قبل طارق رمضان ضدي منذ أن تجرأت لمهاجمة "الإسلامويين" وخصوصا مهاجمته هو بالذات؟ ومع ذلك فهذه الاتهامات سهلة ومألوفة، لكنها تستدعي بعض الشروحات المضبطة. فأنا كصحفية متخصصة في دراسة الأصولية، أشتغل على كل الأصوليات اليهودية والمسيحية والمسلمة. أمّا الصهيونية فلا، فهي لا تدخل في حد ذاتها، في مجال التطبيقي الذي يخصّني. في الواقع، ليست في الحقيقة جزء من مراكز اهتماماتي *، وأنا أعترف بذلك وبخجل. فالصراع في السودان، على سبيل المثال، يبدو لي أكثر فتكا في الوقت الحاضر. فل نكون صادقين، لا يختلف رأيي في هذا الصراع عن رأي الأغلبية الساحقة من المواطنين."دولتين لشعبين"، وبسرعة. فدوافع صحافتي الملتزمة تتمثّل حقا في الدّفاع عن الحرية وبشكل مستقل. أنا "لا أدّعي" انّني من اليسار انا حقا يسارية (وإن كان ذلك سوف يحز في خاطر باسكال بونيفاس).

وفي فقرات أخرى، استكمل باسكال بونيفاس تلميحاته "فوريست تدين الإرهاب والراديكالية الإسلاموية، وأنا أيضا، لكنها لم تقل كلمة واحدة عن أسباب هذا التصعيد. وبطبيعة الحال، فهي لم تدين، في أي وقت من الأوقات، وحتى بنصف كلمة، الاحتلال العسكري لإسرائيل والولايات المتحدة الامريكية وآثارها. هل كل هذه "التقديرات" في المعلومات وهذا فرط في التبسيط يستحق جائزة؟ أنا لا أعتقد ذلك. "

من الواضح أن باسكال بونيفاس لم يكلّف نفسه عناء قراءة كتبي قبل تشويه سُمعة عملي. انه لا يعرف، أو يدعي أن يتجاهل أن كتاب "العلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية " (كتبته بالاشتراك مع فياميتا فينر) - والذي ظهر في عام 2003 من بين الثلاثة كتب الذين وصلوا الى النهائيات وقد تم اختيارهم من قبل لجنة تحكيم جائزة السياسية للكتاب - يحلِّل بدقة العوامل الجيوسياسية ويشرح الصعود التاريخي للإسلاموية ويرفض القراءة التي تجعل من الإسلام كدين مصدر هذا التعصب السياسي. في نفس الكتاب، وفي مقالاتي في "تشارلي ابدو" وفي تدخلاتي في البرامج التلفازية، انتقدت مرارا وتكرارا هذا النوع من التوسع الاستعماري للأصوليين اليهود و المسيانية المسيحية الخطيرة التي تؤطر التدخل الأمريكي في العراق (والتي عارضتها بشدة والنتيجة بررت مخاوفي). فباسكال بونيفاس يعلم كيف يُقنع عندما يُحذّر من شرور محاكمة النوايا. لكنه ييتماطل عندما يتبين انه غير قادر بالمرة تطبيق هذا الانضباط الذي ينتظره من غيره على نفسه.

كارولين فوريست 05 نومبر 2006

* ملحوظة صغيرة على أعقاب الهجمات التي نتجت عن هذه الجملة: هذا النص يرجع تاريخه الى سنة 2006، في أوج أزمة السودان ... وهذا لا يعني أنني لست مبالية كإنسانة لهذا النزاع، ولكن ببساطة أريد فصل قضية الأصولية من مسألة القضية الإسرائيلية الفلسطينية. لهذا السبب، اشتغلت بكل ما في وسعي للإبتعاد عن هذا الموضوع ، حتى لا تتداخل مع رسالتي، التي تهذف جميع التيارات الأصولية. ولهذا الموقف  حدودا طبعا. فعندما دُعيت لمناقشة الأحداث الجارية عبر شاشة التلفزيون، وخصوصا خلال مأساة غزة في ديسمبر كانون الاول، واستنكرت مقتل مدنيين فلسطينيين التي تُبعد إسرائيل عن "الإنسانية". ولا سيما ضد المحامي وليام كولدانيل . وأنا أحاول تبليغ كلمة الجمعيات السِّلميّة مثل "السلام الآن"، فقد اتهمت ب"الخائنة" من قبل صقور إسرائيل.


https://carolinefourest.wordpress.com/2006/11/05/les-amalgames-de-pascal-boniface/