الاثنين، 21 سبتمبر 2015

كفا مزايدة على ظهر المهاجرين !



غيوم ايرنير
 : هذا الاثنين، كارولين، تتطرقين الى هذه المبالغات المتزايدة التي تغمرنا حول اللاجئين. كاعتبار أن إغراءات الخدمات الاجتماعية هي التي تجتذبهم إلى فرنسا أو اعتبار أن منحهم هذا اللجوء ا من شأنه أن يزيد من خطر الهجمات الإرهابية.

كارولين فوريست: إذا توقفنا فقط عند اشاعات الإنترنت الحالية، ربما نجد حلا. لكن السياسيون ليسوا آخر من يحكي أي شيء حول اللاجئين.
إذا صدقنا نيكولا ساركوزي، فإننا سرعان ما سوف نكون "غارقين" بسبب منطقة شنغن. لأن عاجلا أم آجلا، حسب ما أوضحه: فسرعان ما سوف يدرك هؤلاء اللاجئين أن الخدمات الاجتماعية مميزة بكثير في فرنسا. لاحظوا أنه لم يقترح إيقاف المساعدات الاجتماعية لحمايتها بطريقة مؤكدة أو اقتصار اعادة النظر في فضاء الشنغن. فقد يكون لهذا الأمر وقع أكبر. بيد ان ألمانيا هي التي يرغب غالبية هؤلاء المهاجرين قصدها. وفي ألمانيا سوف يحصلون على اللجوء وبالتالي على المزايا اجتماعية. الخدمات الاجتماعية ليست حلوى نتلقاها عند السفر ...
كما لو كنا نقترح تعليق فضاء شنغن أو الخدمات الاجتماعية لمنع الناس الأكثر فقرا في أوروبا من قضاء عطلهم في فرنسا. هذا بهتان وخطير جدا.

غيوم ايرنير : على الرغم من ذلك، كارولين، سوف يُقال لك، ونحن نسمع الكثير من هذا القبيل، ليس فقط من طرف نيكولا ساركوزي، أن الوضع الاقتصادي في فرنسا ليس جيدا، وأن هؤلاء البضعة آلاف من اللاجئين الذين سوف يطلبون اللجوء الى فرنسا سوف يؤثرون على المالية العامة وسوف ينظر إليهم بشكل سلبي من قبل أولئك الذين هم في أشد الحاجة إلى المساعدات العمومية...

كارولين فوريست: خاصة إذا قدمت لهم شروحات بهذا الشكل. والحقيقة هي أنه على عكس الدكتاتوريات، فمنطقيا بلد الدفاع عن حقوق الإنسان لديه ميزانية لاستضافة اللاجئين السياسيين. هذه المساعدات العمومية لا يمكن أن تنافس غيرها من المصاريف. إلا إذا تم اعتبار أن بلدنا هو جزيرة يمكنها ربح المال بالتوفير على حساب العالم.
فالأزمة المالية لعام 2008، أيضا، كانت مكلفة. وحرائق الغابات مكلفة أيضا. ولكن هذا شيء وارد. ولن يخطر ببال أحد أن يفسر لنا أنه علينا اقتطاع اجرة رجال المطافئ بدافع ان هذا المال يمكن أن يستخدم لبناء مسابح البلديات في كل مدننا. الحرب في سوريا، هو نفس الشيء. طالما لم يتم اخماد الحريق الذي شب في سوريا أو إريتريا، فعلينا استقبال اللاجئين.
كما سبق أن فعلنا مرات عديدة في تاريخنا بالنسبة للاجئي القوارب أو اللاجئين الاسبان الفارين من الحرب الأهلية ونظام فرانكو. كانت التدفقات أكثر أهمية من الآن، حيث وصل التدفق إلى 450000 لاجئ، هبّوا إلى فرنسا في يوم واحد.
فرنسا، التي لم تكن في فضاء الشنغن حينها، فشلت في إعادتهم وركنهم في المخيمات. هل هو هذا ما نقترحه؟ أم سنقرر القول بأن أوروبا ستساعدنا على تسيير أفضل لهذه الأزمات، أكثر مما فعلت في الماضي. فبفضلها لن نتنافس مع جيراننا لمعالجة هذا الامور. وبفضلها يمكننا التنسيق لاستقبال اللاجئين وتلقي مساعدات أوروبية للقيام بذلك.

غيوم ايرنير :  وهذا وَهْم آخر، كارولين، هو أنه على عكس اللاجئين الإسبان، حيث لا وجود لهذا الخطر، يخشى البعض من أن هذه الحركات تسمح للإرهابيين من التسلل. بل الصفر خطر، الذي لا وجود له حسب رأيك؟

كارولين فوريست: بالطبع لا. الخطر من أن تنظيم القاعدة أو داعشيرسلان الإرهابيين في صورة اللاجئين قائم. حتى انه سوف يكون تخطيط ذكي جدا من قبلهم. وستكون بكل تأكيد منجم ثراء بالنسبة لليمين المتطرف. ولكن الإرهابيون لا يحتاجون الى هذه الفروع في أوروبا لضربها. فهم بنفسهم أوروبيين ولديهم أوراق تثبت ذلك. بل سيكون أكثر خطرا عليهم ويكون سبيلهم محفوف بالمخاطر ان تم إرسالهم عن طريق هذه الفروع. لأنهم يمكنهم الغرق أو يتم انكشاف أمرهم من قبل اللاجئين الآخرين. فإن هؤلاء السوريين الذين يفرون من الإسلاميين، يتعرّفون عليهم بسهولة.

وهذا هو الحال بالنسبة لطالب اللجوء وصل الى منزل الاستقبال براندنبورغ. كان يتباهى بقتاله الى جانب الدولة الإسلامية. فتم تصويره من قبل اللاجئين بواسطة هاتف محمول وقاموا بالتبليغ عنه لدى الشرطة.
ان هذا هو ما يجب قوله بدلا من الكذب على الفرنسيين. إغلاق أبوابنا أمام اللاجئين لن يمنع وقوع هجمات أخرى. فخيانة مبادئنا لا تحمينا. على العكس من ذلك. سوف تجعلنا ممقوتين أكثر، وبالتالي أكثر عرضة لدعاية الدولة الاسلامية. سوف نستنكر لأنفسنا مرتين. مرة بكوننا لم نعد بلد حقوق الإنسان ومرة بترك الفارين من الدولة الإسلامية، يواجهون مصيرهم لوحدهم.

كارولين فوريست

فرنسا الثقافة France culture، 21 سبتمبر 2015.


Fantasmes et surenchère politique sur le dos... par

الاثنين، 14 سبتمبر 2015

الأصدقاء الأصوليون لجيريمي كوربن




هل يجب أن نبتهج لانتصار جيريمي كوربن؟ فاليسار الراديكالي يتحدث عن " زلزال" سياسي، بينما آخرون يعتبرون هذا الحدث عكس ذلك تماما، فهو بمثابة انتحار سياسي على حدّ قولهم.

ابداء الرأي في هذا الموضوع يتوقف على تحديد زاوية وجهة نظر عند الحديث على جيريمي كوربن. إذا تحدثنا من وجهة نظر اقتصادية محضة، على غرار ما يفعله غالبية الصحف، فانتصاره أمر يُحتفى به. كونه دليلا قاطعا على تواجد يسار قادر على الدفاع عن دولة الرفاهية في إنجلترا.

غير ان الزعيم الجديد لحزب العمال يعارض بشدّة سياسة التّقشّف. بل إنه يدعو إلى إعادة تأميم قطاع الطاقة والسكك الحديدية. مما يبعث الروح ويجدد النّشاط بعد سنوات مديدة من رفع الضوابط التنظيمية وتتالي عمليات الخصخصة تحت حكم مارغريت تاتشر أو طوني بلير.

لقد قضى نتخاب جيريمي كوربن على تيار بْلير أو ما قد يسمى بالبْليرية. إشارة إلى أنه بعد توالي حزبي سيريزا (ائتلاف اليسار الراديكالي) وبوديموس (حركة قادرون)، يمكن أن نحلم ببريطانيا عظمى لا تفكر بتعطيل أوروبا السياسية، بل على العكس من ذلك تماما، فهي تُشجع على خوض سياسة حقيقية للنهوض بأوروبا. وقد يبعث هذا الأمر السرور في النفوس لو كان هذا هو الوضع الحالي. غير أن هذا الانتصار أمرا مخادعا.

إن انتخاب جيريمي كوربن لن يقضي على البْليرية، ولكنه سيجعل اليسار الانجليزي يغوص في غيبوبة طويلة الأمد.  فبتزعمه حزب العمال، وما إن يتعرّف عامة الناس على البعض من مواقفه حتى يمكّن حزب المحافظين من الاستيلاء على الحكم في 10 داوننغ ستريت لسنوات طوال.

دعم لضحايا مكافحة ... الإرهاب
إن المحافظين مبتهجون من الآن لفكرة مواجهته، ذلك أن الرجل قد راكم من المواقف المثيرة المشكوك في أمرها على مر السنين. ولا يتعلق الأمر هنا بمواقفه الاقتصادية.
هذه السياسة البديلة الطموحة، التي تجري عكس تيار الكثير من الانجليزيين، تستحق أن تُناقش وان يُدافع عنها. ولكن الأمر يتعلق بمواقفه المتخذة فيما يتعلق بالسياسة الدولية وحرية التعبير والإرهاب. وهي مواضيع يتم أحيانا التقليل من شأنها في خضم التعليق السياسي، بالرغم انها في غاية الأهمية.
تخشى بعض الجمعيات علاقات كوربن بمساندي نظرية المؤامرة وبالمعادين للسامية على سبيل المثال. فهناك من يسميهم " أصدقاءه" من قادة حماس وحزب الله، يشترك معهم في الكثير من المحافل موضحاً أنه من دواعي سروره وفخره.
أما المحيطون بكوربن فيدافعون عنه موضحين أنه لم يكن يعرف القناعات التحريفية ومنكري المحرقة لأثنين من أصدقائه، وأنه يسمي الجميع " أصدقاءه".
ومع ذلك فإنه يمتلك مكتبا عند أصدقائه في جامع فنسبوري، إحدى جوامع أوروبا الأكثر راديكالية، تم انتزاعها مؤخرا من قبل الإخوان المسلمين من بين أيدي الجهاديين... "مكان رائع" على حد تعبيره.

وهو يدعم أيضا جمعية كاج، المنشأة من قبل إسلامويين لدعم ضحايا مكافحة الإرهاب. نعم لقد سمعتم بشكل صحيح، ضحايا مكافحة الإرهاب وليس ضحايا الإرهاب. إنها مسألة أولويات.

 اليسار " المندمج " مع المتطرفين
لا نزال في إطار المواقف المشبوهة، فإن كوربن يعطي عن طيب خاطر مقابلات للتلفزيون الإيراني ولقناة روسيا اليوم، قناة دعاية النظام الروسي المفضلة لديه. بل إنه وصفها بأنها القناة الأكثر "موضوعية" في المشهد الإعلامي السمعي البصري. الأمر الذي يكشف جليا ومطوّلا عن رؤيته للعالم.

لقد تظاهر سنة 2006 ضد نشر رسومات للنبي محمد رُفقة الأصوليين الإنجليز الذين يبدو أمامهم إسلاميون فرنسا طوباويين ومندفعين من جيل الثمانية والستين. فيما عدا ذلك، فإنه يشعر بالأسف الشديد لما حدث في 7 يناير.

باختصار، فإن جيريمي كوربن هو نتاج صرف لذلك اليسار الراديكالي المتودد لأسوأ المتطرفين في الكوكب، مدفوعاً بروح التمرد أو بمعاداة الأمريكية بشكل بدائي.

أولويته ليست التقليل من عدم المساواة بقدر ما هي دعم لسياسة تعدد الثقافات "المندمجة ". وهو مصطلح جذاب يجب ترجمته بالانضمام إلى النموذج التّجمُّعي الانكلوساكسوني، الملائم جداً لخلق أجواء المنافسة بين مجتمعات ذات استثناءات أصولية، على حساب المساواة بين الرجال والنساء أو على حساب العلمانية.

وإنه لمن المؤسف أن نقول إن مثل هذه الشّبهات لم تؤثر سلبيا عليه لحظة انتخابه على رأس حزب العمال. ولكن ما هو مؤكّد: أن هذا سيتم استذكاره وسيكون خطأ قاضيا في وجهة نظر الرأي الانجليزي عند حلول الانتخابات الوطنية.

ليس لجيريمي كوربن أدنى حظ في إقناع جمهور عريض
إذا كان اليسار العمّالي يريد أن يظل في المعارضة، فلقد أحسن الاختيار. فبالنسبة لبعض أنصاره يعتبرون هذا الأمر ليس أصلاً سيئاً للغاية. فعندما يكون المرء يساريا حتى النخاع وليس تقدميا، فإن الهدف من حملته ليس إقناع أكبر عدد ممكن بالانضمام إلى التقدّم، ولكن أن يكون على صواب، وحده ضد الجميع، وأن يستطيع هكذا الحفاظ على صفائه.

وفي هذا المجال، يمكن لأولئك المدافعين عن يسار راديكالي متحالف مع الأصوليين والطغاة على الصعيد الدولي، أن يطمئنوا تماماً. فطالما يظلون عاجزين عن طرح بديل اقتصادي دون التخلّي عن تلك اشكال التّساهل أو عن غض النظر عن الأصوليين والحكام المستبدين، فلن يخاطروا ابدا بتوسيخ أيديهم عند إمساكهم مقاليد الحكم.

وبالرغم من الأزمة، وكلّ من ينفخ في أشرعتها، فإن هذا اليسار الراديكالي لن يستقطب أبداً اليسار الديمقراطي. في حقبة زمنيّة موسومة بمخاطر الهجمات، لا يعمل هذا اليسار إلا على الدّفع الى الأمام باليمين المتطرّف، دون أن تكون لديه أية فرصة في أن يؤثّر ايجابيا على مصير أوروبا إلا وهو على حافة هاوية أو في دور فزاعة. 

كارولين فوريست

الثلاثاء، 30 يونيو 2015

"منتزهات السلام - الحلم الأخير لنيلسون مانديلا"



ليست هناك طوباوية أكثر واقعية
من انتاج Zed / Images : كارولين فوريست، فياميتا فينير وكسافييه ليبيرمان





ما الذي دفع كارولين فوريست، الصحفية، لإنجاز تحقيق وثائقي عن "منتزهات السلام - الحلم الأخير لنيلسون مانديلا"؟ في هذه المقابلة، تحدثت كارولين فوريست إلى آرتي على نشأة هذا المشروع؟

آرتي تيما : ما الذي دفعكم لإنجاز فيلم وثائقي عن منتزهات السلام؟

كارولين فوريست: لسنوات، وفي كل مرة كنا ننتهي فيها من انجاز فيلم على مواضيع حساسة نوعا ما، سواء على اليمين المتطرف أو الإسلامويين، يسألوننا بكثير من الضحك "الا تردن العمل على مواضيع أقل صعوبة ؟ ". في كل مرة، كنا نتحدث عن هذا الموضوع: منتزهات السلام. فوافقت آرتي أخيرا، فتمكنا من إنجازه أخيرا. هذا فيلم طوباوي وإيجابي ولكن ليس ساذجا. يتحدث عن الطوباوية المتحركة، والتي تتحقق وتتقدم. وكانت منتزهات السلام تشكل الحلم الأخير لنيلسون مانديلا، أحد السياسيين القلائل الذي أعجبت حقا بشخصيتهم. أردت أن أبيّن هذا الجانب المثالي الغير معروف. فهو لم يقم فقط بحملة ضد النظام العنصري. بل كان يريد ايضا اسقاط الحدود الغير الازمة بين الدول لتوسيع المحميات الطبيعية.
آرتي تيما : هل يمكن ان توضحين لنا مبدئ منتزهات السلام؟
كارولين فوريست: منتزهات السلام يمكن أن تتراوح مساحتها من مساحة صغيرة أو حتى رباط رمزي – كالشريط الأخضر حول جدار برلين السابق – الى حديقة طبيعية ضخمة. في الفيلم نتحدث عن المنتزهات العابرة للحدود على وجه الخصوص: هذه المناطق الطبيعية التي تربط بين الدول والتي نزيل عنها الحدود للسماح بالمرور للبشر والحيوانات. هذا لا يساعد فقط على بناء علاقات بين هذه الدول، والتي ربما عرفت صراعات حول حدودها أو صراعات سياسية، مثل جنوب أفريقيا وزيمبابوي وموزمبيق، ولكن أيضا يساعد على توزيع ثمار السياحة البيئية، احدى السبل المستقبلية لتطوير المجال الاقتصادي.
آرتي تيما : هل هناك سلطة تقوم بتحديد منتزعات على انها منتزعات السلام ؟
"نحن حقا في بداية هذه الطوباوية المتحركة".
كارولين فوريست: لا، وفي كثير من الأحيان قد يفاجئنا هذا الامر فليس هناك سلطة واحدة تعنى بمنتزهات السلام. نحن حقا في بداية الطوباوية المتحركة. يتم تطوير وتنمية المشاريع في كل حالة على حدة، وكل بلد لوحده، وغالبا بعد سنوات من العمل المتواصل للمنظمات البيئية الغير حكومية والتي تقوم بإقناع الدول على ان هذا الامر في خدمة مصالحها. ومع ذلك، هناك العديد من الأبحاث حول هذا الموضوع اي المنتزهات العابرة للحدود. لقد أنشأ بعض الباحثين في مجال البيئة رسم خرائطي حقيقي لهذه المنتزهات، وتعريف دقيق لها وأصبحت الحالات التي كانت في بادئ الامر محددة أكثر عددا.
آرتي تيما : في فيلمك تتحدثين عن ليمبوبو بارك العظيم بين جنوب أفريقيا وزيمبابوي وموزمبيق، أميستاد الحديقة الدولية بين بنما وكوستاريكا ومشروعين لمنتزه بين الأردن وإسرائيل وحتى بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. كيف قمت باختيار هذه المنتزهات؟
"فهي منطقة تحمي الحياة البرية وتحافظ على حياة الانسان. هذه هي الصورة الامثل لفكرة انشاء متنزهات السلام".
كارولين فوريست: نحن متمسكون بعرض أمثلة مختلفة من المنتزهات التي تحققت بالفعل، وهي تشتغل الآن ومشاريع منتزهات مقترحة في مناطق يصعب تخيُّلها. حيث نستكشف أربع قارات في أربعة مجمعات، بدءا من أفريقيا، وهي تمثل نصف متنزهات السلام التي أنجزت حقا. بما في ذلك عبر العمل التطوعي ل"مؤسسة منتزهات السلام"، وهي منظمة غير حكومية أسسها متبرع بيئي في جنوب أفريقيا ورعاها نيلسون مانديلا حتى وفاته. حديقة ليمبوبو الكبرى، طوباوية اتت بثماره. قابلنا على سبيل المثال جندي سابق من اصل موزمبيقي قام بزرع الألغام في المنطقة عندما حارب ضد جنوب أفريقيا وقام باقتلاعها عندما أصبح حارسا لهذه المنطقة التي كانت سابقا منطقة صيد وحرب وهي الآن منطقة تحمي الحياة البرية وتحافظ على حياة الانسان. وهذه هي الصورة الامثل لفكرة انشاء متنزهات السلام.
أردنا أيضا أن نظهر منتزه في أمريكا اللاتينية، وبارك أميستاد. كان مختلفا قليلا. هذه الحديقة لم تنشأ للتوفيق بين بلدين في الصراع. لكنه نشأ على حدود منزوعة السلاح تماما بين كوستاريكا وبنما، وكلاهما على حد سواء ألغى جيشه. وسيخبرنا الرئيس السابق لكوستاريكا، أوسكار أرياس، جائزة نوبل للسلام كيف تم التوصل إلى ذلك.
ثم نعود إلى احدى المناطق الأكثر رمزية من حيث الصراع مثل منطقة الشرق الأوسط. فقد قام بعض البيئيين الإسرائيليين والأردنيين يدا في اليد بالتصور، ان في يوم ما، سيتم تحويل وادي الأردن إلى متنزه سلام. وكانت صورة لا تصدق تماما، حيث نرى المدنيين الإسرائيليين يفتحون الحواجز العسكرية في هذه المنطقة الأكثر توترا. ويعتبر هذا الامر من أهم الإنجازات معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية لعام 1994، دلالة رائعة على ما يمكن أن تصبح عليه هذه المنطقة إذا هدأ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
آرتي تيما : انها فكرة جميلة ولكن هل هذه المنتزهات يمكن أن تساهم حقا في تحقيق الصلح بين الدول؟
"لا يمكن لعلم البيئة حل النزاع وحده. ولكن يستطيع إنشاء الروابط التي تسهل عملية الخروج من الصراع".
كارولين فوريست: من الواضح أن علم البيئة لا يمكنه حل النزاع لوحده. ولكنه يستطيع إنشاء الروابط التي تسهل عملية الخروج من الصراع، وتحديدا لأن الرجال يتحدثون عما قد يوحدهم: كالجمال الطبيعي المشتركة والمنافع الاقتصادية المترقبة يوم يستثب السلام. فهذه العلاقات تعزز الحدود السلمي وتقوي اقتصاد بلاد عانت من التوترات. فاليوم ليس هناك شيء ملموس أكثر من الطوباوية الإيجابية.
آرتي تيما : غير أن متنزه السلام بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، والذي تتحدثين عنه في نهاية الفيلم، يبدو مستحيلا. هل تعتقدين حقا أن هذا المشروع سيرى النور يوما ما؟
كارولين فوريست: قد لا يراه في حياتنا، ولكن كون الناس يفكرون في ذلك رغم أن هذه الحدود هي من أكثر الحدود انغلاقا في العالم، أمر مثير للإعجاب فعلا. فاليوم لا أحد يصل إلى هذه المنطقة الخضراء، التي تفصل بين حدود البلدين حيث ترعرعت ثروة بيئية خيالية. فالمنظمات الغير الحكومية وحكومة كوريا الجنوبية يعملون جاهدا حتى يتم تصنيف هذا المجال تراث العالمي من قبل اليونسكو. ستكون خطوة أولى. حقيقة أن الرجال يفكرون في هذا الامر وهذا في حد ذاته انفتاح عقلي يعطي الأمل لأمر يبدو من المستحيل تحقيقه في الوقت الراهن...

الأربعاء، 20 مايو 2015

كارولين فوريست: "لن نُقَلِّل من العنصرية بالتماس الأعذار الاجتماعية للمتعصبين"


صورة لكارولين فوريست يوم 05 أكتوبر 2013 بباريز. الصورة توماس سامسون أ ف بي  (AFP)




انجز هذا الحوار من قبل اناستازيا فيكران
في "مدح الازدراء" كارولين فوريست نشرته غراسيه، 2015

فوريست "لن نقلل من العنصرية بإلتماس الأعذار الإجتماعية  للمتعصبين"
أن تكون أو لا تكون تشارلي. هذا الامر لم يعد قضية. بعد أكثر من أربعة أشهر من أحداث 11 يناير، وكلا الجانبين تتنافس لمعرفة من هو حقا تشارلي. هناك من يعتبره مدافعا عن الجمهورية العلمانية والحق في الازدراء. وهناك من يرى انه اسلاموفوب يختبئ وراء الجمهورية لوصم جزء من الساكنة (أطروحة الكتاب الأخير للمؤرخ وديموغرافي إيمانويل تود). ففي كتابها الأخير، في مديح الازدراء الذي صدر مؤخرا من قبل مطبعة غراسيه، قامت الكاتبة كارولين فوريست، التي عملت عدة سنوات في مجلة شارلي ابدو، بالرد على قضية الاسلاموفوبيا التي عرفتها الرسوم الكاريكاتورية  وتحذر من إساءة استخدام العلمانية لأغراض التمييز عن طريق الهوية.

أنت تدافعين عن حرية التعبير، لماذا أصبح "أنا لست تشارلي" شبه الازدراء؟
لا يتوقف الامر على الحظر أو فرض الرقابة على أولئك الذين يرفضون دعم حرية خط تحريررسامي الكاريكاتير والصحفيين الذين تم اغتيالهم من قبل الإرهابيين، والذي يقصد به "أنا تشارلي"، ولكن هل لدينا الحق في الإجابة عليهم؟ أسمع الناس يشوه القصد من هذه الرسومات وينكر سياق الذي جائت فيه، كان موجعا بالفعل من قبل. أصبح مؤلما للغاية بعد الهجمات. شعرت بالحاجة، بحالة طوارئ مجنونة، الى تسليح بكلمات أولئك الذين يريدون بناء حصن مانع ضد هذه الارتباكات، والتي يمكن ان تتحول الى رصاصات في نهاية المطاف.

يبدأ الكتاب بنوع من التصنيف لطرق رفض أن يكون تشارلي. لم يكن كلهم لديهم نفس النية. هناك أناس ذو حسن نية والذين لم يفهموا أهمية تغطية الرسام لوز، "انا أسامحكم على كل شيء" بعد أسبوع من المجزرة. هناك من الفنانين الذين اعتبروا هذا الرد كمحاولة "رمي الزيت على النار".

كما هناك المعارضين، حقيقيين وإيديولوجيين، للحق في الازدراء والعلمانية عندما يتعلق الأمر بالوقوف في وجه الأصوليين الإسلامويين. فالّذين يُسمُّون أنفسهم مناهضين للعنصرية فقط لتحسين معاملتهم مع العنصريين أولئك الذين يدافعون عن حرية الضحك من الإرهاب بحجة أن المسلمين أقلية في فرنسا. إلا أن هذه االرسوم لا تضحك على المسلمين. انهم يضحكون عن الذين يضطهدونهم ويقومون بتشويه الإسلام بغرض السيطرة، والترهيب والقتل.

أليست هناك تقديس لتشارلي بعد الهجمات؟ فقد تحدث ايمانويل تود عن 11 يناير بأنه "فلاش الشمولي" ودوبريه عن خطر "المكارثية الديمقراطية" ...
هؤلاء المثقفون قامو بتثقيق إطاحة الكون. بكلمات علمية، مرشوشة بالزهو الأكاديمي، نقف أمام مشهد الانعكاس الكلي للمسؤوليات بين الجلاد والضحية. أولئك الذين يدافعون عن الحرية بطريقة سلمية أصبحوا عنيفين، وأولئك الذين يريدون فرض رقابة أو ايجاد ظروف التخفيف للقتلة هم ضحايا الإرهاب الفكري. هذا مذهل. لقد انبهرت بإيمانويل تود في كتابه مصير المهاجرين (1). اليوم، أتساءل عما إذا كانت مناهجه موثوق بها، حينذاك.

بدلا من الاختباء وراء منهجية علمية فاشلة، على إيمانويل تود أن يتحمل مواقفه الجدلية. خاصة وأننا لسنا متساوين لمواجهة وجهات نظرنا في هذا النقاش. فالمثقفون الذين يصفون الآخرين بالاسلاموفوب لا يحتاجون إلى حماية الشرطة. أولئك الذين يدافعون عن الحق في الازدراء، هم، يشتغلون والمسدس فوق رؤوسهم.

تقومين بالتمييز بين نوعين من مكافحي العنصرية ومن بينهم واحدة مناهضة للعلمانية ...
منذ 11 سبتمبر 2001، قام بعض أصحاب اليسار - الذين يسمون أحيانا "اليسار الاسلامي" - بالتفكير في العالم حسب الخطر العنصري الذي يتعرض له المسلمون. فل نضع جانبا حقيقة التطرف وإنكار تصاعد معاداة السامية. هذا اليسار الراديكالي أو المرتبك، والذي قضى حياته يعتبر كل الذين ينادون برؤية متوازنة للعلمانية، وبصرامة شديدة ضد المتطرفين أو العنصريين، بالاسلاموفوب. فهذين الخطرين متواجدين في مجتمعنا. يجب علينا مواجهتهما. ولن نُقلل من العنصرية بإلتمسنا الأعذار الاجتماعية، لأولئك الذين سيصبحون متطرفين أو إرهابيين. فبالعكس هذا الخطاب الدُّوني المتشائم يدفع الفرنسي للإرتماء في احضان مارين لوبان. والسبيل الوحيد لمنعهم من ذلك هو الدفاع عن يسار واضح، يسار لا يخاف من الكلمات.

هل الخطر الأصولي يمنعك من رؤية واقع العنصرية المعادية للمسلمين؟
لو كنت منبهرة بأعمالي حول الأصولية، لن أعد للاشتغال من جديد على اليمين المتطرف المتعصب للهوية، ولن أندد بطلب العروض الشعبي العنصري للجبهة الوطنية حول العلمانية ولم أشر بالاصبع الى العنصرية في كتبي وأفلامي. لقد حذرت دائما ضد إساءة استخدام العلمانية ضد معادات الإسلام، إلى درجة اثارة كراهية مجموعات كريبوست لاييك أو أصبح  التنديد بي  كمناصرة للإسلام عندما رفضت حظر الحجاب في الشارع ومنع الأمهات المحتجبات من مرافقة الرحلات المدرسية، أو لأنني دافعت عن الحق في الاختيار بين قائمة النباتية وقائمة مع اللحوم في وجبات الغداء المدرسية. لم أقدم قط خطر الأصولية الإسلاموية باعتبارها خطرا "هجومي" أو اقتنعت بسيطرة الإسلامويين على فرنسا. ما يقلقني هو أن تصرفات اليمين الاسلاموي المتطرف يسهل السيطرة على السلطة السياسية من قبل القومية، والفاشي والعنصري. لاشمئزازهم في مواجهة الخطاب الجبن حول الأصولية والإرهاب.

هل العلمانية كما يتم تكييفها مواتية لتغيرات المجتمع؟
على المستوى التشريعي، وصلنا إلى شكل مركب إلى حد ما ومتوازن للعلمانية. ومن المهم عدم البحث الى حل جميع مناقشاتنا الاجتماعية بقوانين جديدة. بعد الدفاع عن القانون حول الرموز الدينية في المدارس العمومية في مارس 2004، علينا التوصل إلى حل وسط بين ما نطلبه من الطلبة وما نطلبه من الآباء والأمهات، ما سميته  في"اليوتوبيا الاخيرة (2)" بالأماكن الاكراهات "مثل المدارس، و" أماكن التي تمارس فيها الحرية "كما في الشارع أو المتاجر. ففي الشارع، في المنزل أو في المطاعم، لا يمكن التحجج بالعلمانية لفرض أسلوب حياة، إلا في حالات الإخلال بالنظام العام كما هو الحال بالنسبة للنقاب الذي يخفي هويته. وأنا على علم بإغراء بعض السياسات لتحويل عقول العلمانية الى تفكير عقائدي، وأنا أحارب ذلك.

البعض يعتبرون الازدراء في الإسلام هوإهانة المستضعفين ...
هذا هو منطق "الأقلية ضد الأغلبية" لجزء من اليسار. وفق هذا المنطق، فالأصولية هي مشكلة مع مرتبطة بالأغلبية الدينية الفرنسية. على سبيل المثال عندما يتعلق الامر بكريستين بوتان، ومنيف للجميع والأصولية المسيحية. عندما تأتي الأصولية من الإسلام، يتغيرالخطاب تماما، فبعض أهل اليسار، يغلقون أعينهم. هذه الطريقة في تقليص المسلمين في "ضعفاء"، حتى ولو كانوا من الأصوليين ويريدون الهيمنة (على النساء، مثليون جنسيا أو اليهود)، ليس فقط مسؤولية أحد الأبوية الغربية النابعة من المشاعر طيبة، ولكن جوهرية تقوم بمسج المسلمين التقدميين وباليمين المتطرف في نفس "التجمع" فهم سكان بدائيون وجب حمايتهم. وأشعر بالصدمة كمناهضة للعنصرية. فأنا أحكم على الناس وفق ما يفكرون به، وليس وفق دينهم.

أما بالنسبة للحق في الازدراء، لأنه يحمينا جميعا، مؤمنين وغير مؤمنين. دون هذا الحق، فالطابوهات الدينية فوق أي اعتبار، والتعبير عن عقيدة الأقلية يمكن اعتباره "ازدراء" لدين الأغلبية كما هو الحال في باكستان، حيث الجدل لم يعد ممكنا، ونخلى عن ديمقراطيتنا العلمانية.

بالمقارنة مع بقية دول العالم، فرنسا تعتبر من بين الأقلية في دفاعها عن الحق في الازدراء، أليست هذه علامة على ضرورة التطور؟
156 دولة تتوفر على تشريعات ضد الازدراء. هذا ليس لأننا أقلية يجب علينا رفض الدفاع عن نموذجنا. في عصر العولمة، أي رسم أو كلمات يمكن أن يخرج من سياقها، عن نيته ليتم تسليمه إلى رحمة الحشود الهستيرية في الطرف الآخر من العالم، الذين لا يفقهون لا في اللغة ولا في الفكاهة وغالبا ما لم يعرفونها قط. هل هذا يعني أننا يجب أن نتوقف عن الحديث أو الرسم أو علينا النضال في سبيل المعلومات مؤخودت داخل سياقها؟

يتعين علينا أن نحاول التأثير على القواعد التي يجب أن تأطرهذه العولمة المتوحشة من المعلومات. فالشركات العملاقة الكبيرة من المعلومات مثل جوجل، والفيسبوك، تطبق معايير الولايات المتحدة. من حيث المبدأ، يسمح كل شيء. في الواقع، فهم يمنعون أي صورة تذي أورسومات ديني خوفا من عصبة الفضيلة. على عكس التحريض على الكراهية والعنصرية والخوف من المثليين والمعادية السامية، فمواقعم و خطاباتهم منتشرة كثيرة. على عكس ديلي موشن، الذي ينظم محتوياته  اما يوتيوب فهي تنشر أشرطة الفيديو لأغني تشيد بالكواشي. فتتحمل هذه المجموعات الأميركية العظيمة جزء المسؤولية عن ارتفاع الإيذاء اللفظي والجسدي التي يعرفها عصرنا. حتى لو كان ذلك هو رأي الأقلية، وما زال فرنسي للغاية، فأنا أؤيد حرية الكاملة عندما يتعلق الأمر بالازدراء، ولكن ليس في حالات التحريض على الكراهية أو القتل. هذا هو الفرق بين تشارلي ابدو وديودوني.

بالضبط أين هو الخط الفاصل بين الازدراء وخطاب الكراهية؟
هو الفرق بين ضحك "على" الإرهابيين والضحك "مع" الإرهابيين. الضحك على الشأن الديني، الاستهزاء من المتعصبين ومن تنظيم القاعدة وداعش، كما يفعل تشارلي إبدو، ينطوي على فكرة النقاش. هذا وحتى السماح للأكسجين الذي يحمي من اللجوء الى العنف الجسدي. السخر من إبادة أو هجوم هي وسيلة للتخفيف من الرعب ومن العنف الجسدي. بل على العكس تماما. عندما يسخر ديودوني على المحرقة بينما يعرب عن أسفه أن الصحفيين الذين لديهم اسم يهودي هربوا منها، عندما يخلق حزب مع مع أحد القوميين الاشتراكين الذي يجعل الزلابية أمام المكان الذي قتل اليهود، لم يكن ذلك المزيد من الفكاهة ... ولكن التحريض على الكراهية واليمين العنصري المتطرف. علينا شرح للشباب، الذين لا يفرقون دائما. كما أنها أحد أهداف هذا الكتاب هو تقديم الحجج للمدرسين. مهمتهم هي شاقة للغاية: مساعدة جيل بكامله المرور من الشكوك التي تساعد على التفكير المناورتي  الى الفكر النقذي المطابقة لفكر التنوير. ليس هناك ما هو أكثر إلحاحا.

(1) إيمانويل تود، "مصير المهاجرين"، دار النشر سوي، 1997.
(2) كارولين فوريست، " اليوتوبيا الأخير"، غراسيه، 2009.

http://www.liberation.fr/societe/2015/05/20/on-ne-fera-pas-baisser-le-racisme-en-trouvant-des-excuses-sociologiques-aux-fanatiques_1313270