الثلاثاء، 14 يونيو 2011

كارولين فوريست: لماذا كل هذه الكراهية؟


حاضرة بقوة في كل منابر الإعلام، من فرانس كولتور(فرنسا الثقافات) وسي دون لير (على الهواء) ، وفي الواحدة والربع يوم الاحد على فرنس 2 و جريدة لوموند ، أوفي وقت متأخر على لاسومين كريتيك (الاسبوع الحاسم)  وحتى في شارلي ابدو في وقتها، ولا تكاد كارولين فوريست تصل ربيعها 35 ، حتى أصبحت صاحبة بطاقة شخصية وطابع قويّ منفرد "يفرض" نفسه بنفسه. ففي عام 2010، قام موقع أونكيت وديبا (تحقيق ومناظرة) بحصر معظم كتاب الأعمدة في وسائل الإعلام من خلال تسجيل دقائق حضورهم في الإذاعة والتلفزيون: وقد ظهرت كارولين في الرتبة التاسعة، وإن كانت بعيدة وراء اريك زمور، ولكن مع ما يراوح تقريبا 24 ساعة من الحضور المتراكم في السنة وذلك فقط ككاتبة عمود. خاصة وهي تمثل المرأة الوحيدة في هذا النادي المنحصر نسبيا على استقطاب العنصر الرجالي على وجه الخصوص... ولكن على خلاف بعض زملائها الحاضرين في هذا الترتيب، لم تكتب مقالاتها عندما اشتهرت بل إصداراتها هي التي سمحت لها أن تكون حاضرة في هذه المنابر الاعلامية. عند حلول سنة 1998، وهي في ربيعها 23 ، شاركت فياميتا فنّر، في كتابة اصدارها "دليل مُموّني الجبهة الوطنية وأصدقائها"، قبل التوقيع في العام التالي، دائما في اطار هذا الثنائي الكتاب الذي نال استحسانا كبيرا وهو "حملة انتي باكس أو آخر الحروب الصليبة ضد المثلية الجنسية". وقد تناول هذا الكتاب موضوع الحملة ضد الباكس في شوارع باريس والبرلمان "مستعينين في ذلك بالانجيل" قبل إصدارها كتابا آخر عام 2001 تتناول فيه التحقيق الذي أنجزته حول الاجهاض، والذي كتبته بمفردها هذه المرة تحت عنوان "الإيمان ضد الخيار": اليمين الديني والحركة برو لايف (المؤيدة للحياة) في الولايات المتحدة". فقد وقعت بذلك كارولين فوريست من خلال مؤلفاتها الثلاث، بصمتها النضالية الشديدة اللهجة ضد أربعة كوارث مجتمعية: اليمين المتطرف، اضطهاد الجنسية المثلية، التعصب الديني والأصولية وبالتالي التجمعات المناهضة للإجهاض. هذا هو الإطار الذي كان سبب فتح باب الكراهية في وجه هذه القاصة.

وهكذا بدأت التدفقات القذفية تتواصل دون عناء. لقد تعرضت كارولين فورست لتحامل شديد وقوي، بعد كل تحقيق أو تحريات قامت بها، وبعد كل برنامج إذاعي او تلفازي حضرت اليه، وبعد كل عمود كتبته، تحولت الاعتراضات الى شتائم وتحول الرجم الى حكم بالإعدام، والشجب الى الافتراء. ما عليك الا كتابة اسمها على جوجل حتى تعاين بنفسك تدفق وابل من الوحل في حقها ... عبارة استخدمت مؤخرا في قضية دي ايس كا. وهذا ان دلّ على شيء فهو يدل على ضراوة هذه الظاهرة. من تعليقات مجهولة ورسائل مفتوحة وبرامج مخصصة، وهجمات هستيرية وترهيبية من المثلية او حتى وهمية، وكتب حررت قصد القذف والتجريح، كل شيء مسموح لإطلاق العنان لكراهيتهم على كارولين التي رغم ذلك مازالت تحضا بثقة الناشرين واحترام زملائها الصحفيين والمثقفين وبتلقيها دعوات لحضور الندوات ولإبداء رأيها على الميكروفون أو للحضور على المسارح التلفازية. غير أن هذا الامر كرّس بدوره، عند مجنوني الشك والعظمة، بمختلف اشكالهم، نظرية "التواطؤ" المفترض والتآمر المزعوم قلب العالم المصغر لوسائل الإعلام... لذلك دعنا نتساءل بكل مشروعية: لماذا كل هذه الكراهية؟


أول منتقديها هم من الواضح من يحظوا باهتمام خاص من طرفها وقلب لوحة تصويبها. أولئك الذين تصف بدقة متناهية حركاتهم وحيلهم قصد الفَهم الأفضل لنواياهم. أولئك الذين بعد فضحهم، يظلون يصرخون ضد الرداءة والانحطاط لتبرير مقاصدهم. وان كانت هجماتهم قابلة للتنبؤ بها، تبقى في غالب الأحيان غاية في الخشونة. فقد اخرجت الجبهة الوطنية مدفعيتها ذات العيار الثقيل عندما نشرت على نطاق واسع عُنوان ورمز منزل كارولين حتى تتنازل عن رغبتها في مواصلة تأليف كتابها عن حزب جان ماري لوبان، كما تَذكر في كتابها الأخير المخصص عن التحقيق عن وريثته مارين. ممارسات يتفق بقيامها أيضا بعض الجهاديين بعد قضية الكرتون عندما سيتم وضع كارولين مع تسليمة نسرين في قائمة اثني عشر شخصا مهددين بالقتل، بُثّت على موقع انجليزي ... وقد تلا هذا الترهيب توصل صديقتها فياميتا فنّر بقلوب الثيران بصفة منتظمة لأنها تجرَّأت الخوض في التحقيق حول الميليشيات المناهضة للإجهاض. فلقد أصبح نمط حياة فوريست شبيه بحياة داموكليس...

غير ان مؤلفاتها ضد الأصولية هي التي جذبت لها الصاعقة وتسببت في تهم غريبة بقدر ما هي متناقضة. لقد قامت كريستين بوتان، التي شكلت محور تحقيقها حول حركة أنتيباكس، باتهامها بالترهيب الكاتوليكي. ولم يتوقف طارق رمضان وخصوصا أقوى مؤيديه من نعثها وتصنيفها من بين الاكثر الإسلاموفوب عندما لا يتهمها البعض الاخر بخوض لعبة إسرائيل. كما قام بعض اليهود المتحمسين، أنفسهم، باتهمها بسحب إسرائيل في الوحل كما هو الحال في عام 2009 عندما كتبت ورقة في جريدة لوموند تحت عنوان"اسرائيل ضد اوباما والذي كتبت فيه:
"بالاستخدام المكثف للمستعمرات كدروع بشرية، تغذي إسرائيل التعصب الذي هو ليس أقل عداء لها "بالداخل ". فالجيش الإسرائيلي مخترقة من قبل الجنود الأرثوذكس الذين يقاتلون في سبيل الرب وليس في سبيل الأمة. فالعنف الغير المتوازن الذي استجاب له الجيش الإسرائيلي إثر التعرض لتحرش صواريخ حماس، يَنِمّ عن فقدان العقل".

إذا هل كارولين فورست تكره الإسلام؟ هل هي معادية للسامية؟ ام كاتوليكيفوب؟ في كتابها "احرار لقوله"، كتاب نشرت فيه مقابلاتها مع تسليمة نسرين، أعربت كارولين فوريست عن هذه المفارقة: وقالت "عندما كنت انتقد الكاثوليكية أو اليمين الديني الأمريكي فقط، كان اليسار المتطرف يَكِنُّ لي كثير من الود. لقد حيَّت صحف مثل بوليتيس كتبي ووصفتها ب"دقيقة ومعمقة" ووصفتني ب "المتخصص في الأصولية". عندما بدأت أنتقد الأصولية الإسلامية وخاصة طارق رمضان، تغير كل شيء. قامت مقالات من نفس الأسبوعية تتهكّم على صفات "الأصولية المتخصصة". لقد فقدت الكثير من الأصدقاء والعديد من الحلفاء. خاصة أولئك الذين حاربت بجانبهم ضد كريستين بوتان ".



باختصار"اصفع أعدائي، ولكن لا تلمس صديقي". وإن كانت كارولين من نساء حزب اليسار، فهي لم تسلم أيضا من هجمات معسكرها والتي لم تكن قط ليّنة . خصوصا منذ نشر كتابها " الإغراء الظلامي" حيث قدمت كارولين فوريست تحليلا لا هوادة فيها عن هذا اليسار المناهض للاستعمار أكثر منه للفاشية كما يفقد أحيانا روحه بمداعبته -دون وعي- للأصوليين من جميع المشارب ... فقد أدى الثمن نويل مامير الذي كان باستطاعته أن يرى فيها حليفا له بعد الزواج الغير الشرعي لاثنين من مثليين جنسيا في بجليز كما ذكرت كلود أسكولوفيتش  في مقال كرسته لكارولين وفياميتا تحت عنوان المحاربات نشرته في نوفيل أوبسرفاتور:"يوم الاحد الماضي وقبل المظاهرة ، قدمت كارولين نفسها لنويل مامير" اسمي كارولين فوريست، كنت رئيسة لمركز المثليين ". انفرجت نظرة البرلماني من الحزب الأخضر صاحب زواج المثليين: مثلية، اذا يفترض انها صديقة ! الا انها صدمته بجوابها كالتالي: "ما دمت تذهب للاستمتاع بتصفيقات الإسلامويين في مؤتمر منظمة اتحاد مسلمي فرنسا، يمكنك تزويج كلّ المثليين جنسيا كما تريد، سوف لن تحصل على دعمي ".

كل واحد من معارضيها، الذين جُرحوا في قناعاتهم يتهمونها بالوقوف دائما الى جانب الخصوم. لأن من غير المعقول، في هذا العالم الساخر، أن تتمحور أفكارك بتدرج. اصبحت الفلسفة المانوية هي المطلوبة وكل من رفض الغوص في غمار اللعبة، يخاطر بخيانة فريق أو بآخر. فكل هذه الهجمات دنيئة وعقيمة: إذا استطاعت كارولين فوريست من جني انتقادات متناقضة من قبل العديد من الأصوليين فلأنها ببساطة تحاربهم جميعا. وبدون استثناء. باسكال بونيفاس، المؤلف (في الشهر الماضي) لكتاب بعنوان "المثقفون المزيفون"، فهو بالتأكيد لا يفقه شيئا عندما يتهمها بالمرموز على مدى ثمانية عشر صفحة التي كرسها للكاتبة المقالات، كونها تتحامل على الإسلام وعلى وجه الخصوص مشيرا الى كتابها "العلمانية على محك الديانات الثلاث المسيحية والإسلام واليهودية"، كتاب شاركت في تأليفه مع فياميتا، تدين دون تحفظ الأصوليين الثلاثة اليهودية والمسيحية والاسلامية: "إن الأصولية الإسلاموية هي الأكثر ضراوة من الاصوليات الثلاثة. كما كتبت كارولين على وجه الخصوص أنه "إذا كان العنف ليس احتكارا على الإسلام لوحده، فهو الوحيد الذي يتوفر على قنابل بشرية موقوتة". إلا أن السيد بونيفاس يغفل القول أنه في هذا الفصل، قامت الباحثتان باضافة ما يلي: "اذا كانت الإسلاموية تحتل في الواقع المركز الأول بين الأصوليين. وهي حاليا الأفضل تموقعا لتنفيذ إملاءاتها وارهاب أولئك الذين يقاومونها.الا أن هذه القوة لا تختلف جوهريا عن نظيراتها اليهودية والمسيحية. فقوة الاذى لدى الأصوليين يستمدونها بالدرجة الأولى من المقاومة التي يواجهونها. (...) ولا علاقة هذا الادى بالدين ولكن له علاقة بالاستغلال السياسي للدين. مع المخاطرة بتخييب آمال أولئك الذين يؤمنون بالهمجية الذاتية للإسلام، فلا علاقة القرآن بالتخلف الديمقراطي والعلماني للبلدان المسلمة ".



ويتهم باسكال بونيفاس أيضا كارولين فوريست باقتطاع أجزاء من مقولاتها. أو بالمستشفى الذي لا يهتم... بأعمال الشريعة عفوا الخيرية على حد قوله! ففي مجرى مسلسل "سوء نية"، يتهمها أيضا بالتخلي عن الانتقائية في معركتها ضد الأصولية والتركيز تدريجيا على واحدة منهن: "فهي سوف تتخلا تدريجيا عن المعركة ضد الأصوليين المسيحيين لصالح المعركة التي تعرف أكثر مزايدة في وسائل الاعلام أي تلك ضد الإسلام. وسوف تصبح نوعا من الباسيوناريا لمكافحة الإسلامية". فالجملة مذهلة لكون باسكال بونيفاس يأرخ هذا التغيير بتاريخ خروج كتاب "الأخ طارق"، الذي نشر سنة 2004، قبل أربع سنوات من كتاب "الجنود الجدد للبابا" حول التيارات المثيرة الثلاثة الكاثوليكية المعاصرة التي هي أوبوس داي، و الفيلق المسيح والتقليديين. إلا إذا ما قرر طارق رمضان التبشير في سانت نيكولا دو شاردونيه مؤخرا...

 واتهمها أيضا بدعم أكاذيب وحقائق كاذبة أخرى والرجوع الشبه حصري الى كتاب الأخ طارق على وجه التحديد، رغم المراجع الطويلة والضخمة لكارولين فوريست (وبدون ذكر الدعوى القضائية التي رفعها صفيرضد...طارق رمضان). كما قام بترديد الخلافات التي عرضت في برنامج "اونيبا كوشيه" (لم ننم بعد) لروكييه في عرضه الأول حيث استظاف رمضان في سبتمبر 2009، ثم في الثانية مع فوريست في أبريل 2010، حيث كان عليها تحمُّل سوء نية الشخصيتين المثيرتين للجدل نولو و زمور والتي لاحظ عليهما روكييه بنفسه (ضحايا المستقبل ل"حرية التعبير" لسنة2011) حيث لم يستوعبا نعتهم من قبل كارولين فوريست ب"البليدين" حيث اتهمتهم بخوض مقابلة مع رمضان بغض النظر عن معيار ازدواجية الخطاباته والاكتفاء بالتنكيت معه حول اعماله الموجهة للجمهور بصفة عامة وتصريحاته اليومية، التي يعتني فيها بالقاء خطبة خاصة، تلك الموجهة لجمهور كبير، اذ يبتعد عن خطبه الأخرى الاكثر غموضا وتعصبا والمسجلت على الشرائط ...). وفي مواجهة اتهام طارق رمضان وردود كارولين فوريست، هل قام باسكال بونيفاس بخوض بحث نقدي يتبين من خلاله الصحيح من الخطأ ؟ كلا! انه يفضل إعطاء مكافأة حسن النية إلى الواعظ السويسري. تم اصدار الحكم في غياب محاكمة عادلة. وليس في الامر شك انه هذا ما يصفه باسكال بونيفاس بالصرامة الأكاديمية والتي يواجه بها  ما يسميه بالحقائق المزيفة لكارولين فوريست والتي يعتبرفيه انه تمّ المبالغة في التقييم الايجابي  ل"شخص حاصل فقط على شهادة الدراسات العليا كرصيد معلوماتي "... (لأن في وجهة نظر هذا الباحث الكبير باسكال بونيفاس لايمكن قياس التجريبية والمسح الميداني بالألقاب الفخرية ... و ليس السيد رمضان من يقول العكس، والذي يتوفر بدوره على شهادة دكتوراه حصل عليها...بميزة مقبول، أطروحته عن جده، البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ، التي اعتُبرت من قبل لجنة التحكيم،  مُتحيزة وتفتقر إلى الكثير من بعد النظر والحس النقدي ...). ولكن اطمئنوا، فالامر ليس كما لو كان السيد بونيفاس يسوّي حساباته الشخصية مع كارولين فوريست، بسبب تقديم شهادتها ضده في القضية التي خسرها ضد محمد سيفاوي ...

هل جعلت كارولين فوريست الإسلاموية هواية مشبوهة جدا الى درجة معادات الإسلام؟ على أي حال فقد اكدت هذه الاطروحة شبكة فولتير، ولكن لا بد من القول أن مؤسسها، تييري ميسان لم يعد يتمتع بنفس الموقف منذ اصدار كتابه " الكذبة الكبيرة "... وما هو موقفه منذ أن أصبح على رأس جندول من مكاتب "التوحيد" المتخصصة في كتب الأصوليين، أو في الأردن، كما كشفت فيامتا فنّر في كلمة افتتاح كتابها "المنتحل المخيف" ...



وهذا الهجوم أكثر مصداقية في الوقت نفسه عندما اتهمته ريبوست لاييك بالتفريش... للإسلام! لا بد من القول أن الجمعية التي ولدت من ريسبوبليكا قررت القيام بالتركيز المبالغ فيه، الى درجة الخلط بين معركة لصالح العلمانية ومعركة ضد الإسلام، والدليل هو وقفة ابيرو سوسيسون ايبينار والتي شاركت في تنظيمها أوعلى الأقل على ضمان شهرتها. فبمجرد فتح الصفحة الرئيسية لموقعهم لملاحظة ذلك ... فهي تشبه الى حد كبير متجر مارين لوبان! وهنا تتصدر العناوين المعادية للإسلام! ومن البديهي عندما اكتسبت فوريست سمعتها "بمعادية للاسلام" بعد اصدارها لكتاب الاخ طارق أن يجعلوها حليفة لهم. لكن للأسف. انهار كل شيء بعد قضية فاني تروشيلو. هذه المرأة "اللطيفة" التي تسيرفندقا حيث اتت امرأة محجبة للإقامة في إحدى غرفه. منزعجة من الحجاب قامت السيدة تروشيلو بالطلب من المرأة المتحجبة بعدم التجول في الممرات بحجابها كما طلبت منها انتزاعه. فقدمت المرأة المحتجبة شكوى بسبب التمييز... الا أن الحكم فيها نطق لصالح صاحبة الفندق. فلا تطبق مبادئ العلمانية داخل مؤسسة تجارية خاصة. غير ان كارولين فورست، التي تظل دائما وفية لمبادئ العلمانية كما لأولئك الذين يدافعون عن الحريات الفردية، لم تساند قضية السيدة تروشيلو. فقامت ريبوست لاييك عبر مقالاتها ورسائلها المفتوحة، بشن حرب جعلت من شخص كارولين فورست هذفها المفضل. أو كيف تصبح معاديا للإسلام، الى درجة تلقي الدعم من إسرائيل و مناصرة موالية للاسلاموية المتشددة ... لأن في هذا العالم المانوي من الأصوليين، يستحيل تاييد قانون حظر النقاب في الأماكن العامة والحجاب في المدرسة وفي نفس الوقت ضد حظر الحجاب العادي...فلا يمر أسبوعا دون تحمل كارولين أهوال القلم المغموس في الحبر الأسود ستيكس لمحرري ريبوست لاييك، جنبا إلى جنب فيامتا فنّر التي اضطلعت في 2 مايو على مقال جاء في عنوانه: "إن ليكرا كانت تكلف فنّر بتولي مكانها الأعمال القذرة المتمثلة في إهانة وتجريح ريبوست لاييك". كل شيء موزون كما يمكنكم تقييمه...

الشكوى الأخرى التي قُدّمت ضد كارولين فورست، عندما تُفتقد الدلائل والحجج في إجبارها على الدفاع عن الأصولية المعارضة لهم هو اعتبار كارولين معادية لجميع الأديان. هذا هو أساسا ما قامت مارين لوبان عندما وجهت اللوم لها  في شتمبر عند استظافتها ببرنامج سومين كريتيك (الأسبوع الحاسم)  الذي يقدمه فرانس أوليفييه جيسبير.

محاولاة ذكية، اذا ما كلفت مارين لوبان نفسها عناء القراءة، أو قامت بتكليف أحدِ لقراءة الكتب، تلك التي تريد تشويه سمعتها ... أوببساطة عن طريق فتح كتاب كارولين الأخير، والذي كتبته قبل كتابة السيرة الذاتية لمارين لوبين، حيث يمكن قراءة ان كارولين فوريست ترفض الخلط بين الأصولية والشان الديني وأنها تقوم بتمييز واضح بينهما. في حين أن تسليمة نسرين التي اعربت عن اشمئزازها وخاصة إرهابها لما تعرضت له في مصيرها المأساوي جدا، والتي افقدت كل أمل في لمس أدنى أثر الاعتدال في الدين على الإطلاق.

ولكن وكما هي العادة، فمناقشة الأفكار ليست دائما كافية لتلبية رغبة التعطش للانتقام والتشويه من بعض النقاد. فقاموا بالاستعانة بحياتها الخاصة. فمن السهل جدا باعتبار كارولين فوريست لاتخفي ارتباطها بفياميتا فنّر ومن دون جعل هذا الامر منتدى لاثارة الانتباه.
وهذا يبدو هاجسا عند بعض القراء الذين تتقاطر تعليقاتهم بالاموفوبيا من خلال الشرائط الفيديو والمقالات التي تذكر اسمها أو بمجرد ادراج اسمها في البحث التلقائي لغوغل:




فهي نسوية، يسارية تستنكر لعدم وجود الشجاعة عند يساريين من معسكرها، علمانية ملتزمة (وهذا يعني علمانية دون صفة نعتية، مصدر نعتي بسيط على عكس ساركوزي أو بوبيرو على سبيل ذكر شخصيات الاكثر تأثيرا في هذا الانجراف)، مثلية، ومعادية للأصولية واليمين المتطرف بشكل عام ... نفهم الآن لماذا اضحت قائمة أعداءها ممتلئة!



ولهذا فأنا ارى بزوغ التعليقات التي سوف تنتقد من خلال مقالي هذا، ايماني القوي بها أو أي نوعا من هذا الهراء كعدم وجود منظور أنتقد اعمالها من خلاله. دعونا نكون واضحين: أقدّر الالتزام الفكري والرؤية العلمانية لكارولين فوريست ، وأجد هذه السيول من الطين امتدادا للجهل والغيرة أو طغيان لبعض المفكيرن. هذا لا يمنعني، ومع ذلك، من تواجد نقاط الاختلاف، كمصير الأمهات المرافقة في الرحلات المدرسية والتي لا ترغب كارولين فورست في إجبارهن للخضوع الى واجب العلمانية وتفادي علامات "التباهي". فأنا لست متفق معها لأنني اعتبر أن عند مرافقة التلاميذ، فهن لسن أمهات فقط بل يقمن بالمشاركة في المصلحة العامة ويجب أن تخضعن بالتالي الى واجب الحياد. هذا هو الفرق بين هذا الموقف الذي يهدف إلى تشهير أولئك الذين لا يفكرون بنفس الطريقة وتقديم عرض سليم وواضح في اطار جدل دائر بين أشخاص تقاسم نفس القيم. ولكن الأسوأ من كل هذا هو أنه أولئك الذين يتحدثون عن كارولين فوريست هم معظمهم من لم يقرؤون كتبها ولا ماقلاتها...هم من لم يقرؤونها.

ايف دولاهي

السبت، 27 نوفمبر 2010

علمنة ثم دمقرطة


 هل يجب أن نأمل بانتخابات حرة عندما يكون هناك احتمالية لفوز نظام شمولي في صناديق الإقتراع؟ هل يمكن استخدام الانتخابات لإعطاء مفاتيح ديمقراطية ناقصة لأعداء الديمقراطية؟ هذه هي المعضلة المتكررة في العالم العربي - الإسلامي. حدثت بطريقة دراماتيكية في الجزائر. وتحدث عشية كل انتخابات في مصر. لو كان من السهل حلها، لكنّا قررنا منذ فترة طويلة. فمن الناحية النظرية، يتشابك منظورين مجرّدين، الديمقراطية الملائكية والديمقراطية الساخرة.
تعتقد الديمقراطية الملائكية بإمكانية اختزال ألف ياء الديمقراطية بإجراء انتخابات حرة. بغض النظر عن النتيجة، وبغض النظر عن أن هذه الانتخابات تحمل للسلطة طغاة، و فاشيين ... والذين لا يسلّمون المفاتيح. كان هذا الخطر عندما هددت الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) بالفوز في الانتخابات في الجزائر. وهو ما يعطي وزن لفوز حركة مثل الإخوان المسلمين في مصر. إن وجههم السمح، وواقع أنهم اضطهدوا من قبل النظام المصري يجب أن لا يخدع أحداً. بالنسبة لهم، الديمقراطية ليست سوى وسيلة ... من أجل استكمال ثورة ثقافية متطرفة لدعوة توسعية وشمولية.
أنصار أهون الشرين جاهزون لأي شيئ من أجل إعاقة طريقهم. حتى وقف دعم الحكومات الساخرة؟ فتحت ذريعة المنع ، أسكتت الأنظمة العربية كل من المتطرفين و الديمقراطيين العلمانيين. كما مُنع محمد البرادعي من الترشح للرئاسة، وهو ما أغلق الباب أمام أي بديل حقيقي، وبالتالي أمام الديمقراطية.
كيف الخروج من هذا؟ لا يوجد حل سحري، فقط السم هو المعروف. إن تجريب الديمقراطية دون امتلاك العلمانية أولاً، كما هو الحال في الجزائر، يؤدي إلى ديكتاتورية دينية أو لحرب أهلية. العلمنة مع الحفاظ على الديمقراطية، كما هو الحال في تركيا، لا يمنع دفعة إسلامية، ولكن على نمط أكثر تأطيراً، تأثيره يبدو ديمقراطي إلى حد ما. على الرغم من أن خطر انقلاب الحكومة الإسلامية التركية على القوى العلمانية والعسكرية والقضائية، لا يُستبعد ... تشرح هذه العملية لماذا حزب العدالة والتنمية الاسلامي هو بلا منازع أقل خطورة من جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
إنها أيضا مسألة تقويم جيوسياسي. في لعبة الأمم، مصر هي المرتع التاريخي للاصولية السنية. إذا كان فوزها قد أخذ مكانه قبل انهيار النظام الثيوقراطي الإيراني، يمكن للفوز الإنتخابي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر أن يحفز الإسلام الدولي ويشجيع المزايدات. بعد ذلك، يمكن أن تكون مقتصرة على الساحة الوطنية وتنتهج طريق الإسلام التركي. في شروط الوضع الحالي، مصر تتعلمن ... وهذا غير مُشجّع.
يجب على المراقبين الخارجيين أن يقبلوا بتعقيد هذه الآلية إذا أرادوا أن يساهموا فيها دون اللعب كسحرة مبتدئين. لا يوجد خيار بين نظام شمولي وبين حركة شمولية. الأول يستخدم التهديد الأصولي ليؤجل الديمقراطية، والثاني يدعي تجسيد البديل، ولكنه لا يحلم إلاّ بديكتاتورية باسم الشريعة. مخنوقين بين الإثنين، الديمقراطيين العلمانيين هم الوحيدون الذين يستحقون تضامننا.
لتقديم الدعم لهم، يجب القبول أن الإشارة إلى قيمة عليا في الديمقراطية - الثيوقراطية - يمكن أن تستخدم لاستبعاد مرشح أو حزب أصولي. مع ضمان الاحترام الكامل للحريات السياسية خارج هذا التقييد. على أمل أن يكون لمواطني العالم العربي والإسلامي في يوم من الأيام خيار آخر … غير الطاعون أو الكوليرا.
كارولين فورست
مقالة نشرت في طبعة اللوموند 27.11.10

السبت، 3 أبريل 2010

"آخر يوتوبيا" : والشمولية المستنيرة (مقابلة مع كارولين فوريست)



عرف الجمهور كارولين فوريست عن طريق كتابها "الأخ طارق" الذي تندد فيه بالخطاب المزدوج لطارق رمضان، فكارولين فورست مثقفة وملتزمة. أستاذة في العلوم السياسية في باريس، وصحفية لفرانس الثقافة وفي جريدة لوموند، فهي مؤسس لمجلة نسوية، علمانية ومناهضة للعنصرية "برو شوا"، انها امرأة شابة، وواحدة من هؤلاء المؤلفين المستنيرين الذين يعتبرون الحوار أمر ضروري ومؤكد.

يدور هذا اللقاء حول كتابها الجديد " آخر اليوتوبيا" واشكالية الاندماج والتنوع والهوية الوطنية. منتقديها يحبون وصفها كمناصرة شيئا ما هستيرية للحركات النسوية ومناهضة للإسلام. وشخص منغلق على وجهات النظر العالمية الأخرى. لكن كارولين فورست هي عكس ذلك تماما. متعلقة بالحب في التفكير وراغبة في الدفاع عن مشروع طموح للبشرية، فهي كاتبة منفتحة فعلا على الحوار. لقد حصلت على الجائزة الوطنية للعلمانية في عام 2005، وجائزة كتاب السياسة وجائزة "جان زي" في عام 2006، وجائزة كوندرسي-آرون في عام 2008، فهي أضحت لا تحتاج لإثبات ذلك. ففي "آخر يوتوبيا"، تعود المؤلفة الى الشمولية والتعددية الثقافية وتحاول توضيح تعاريف مشاريع العيش معا ذوي القيم والمبادئ المختلفة جدا. الإحصاءات العرقية، وأوقات لمسابح غير مختلطة، والتمييز الإيجابي ... ان كارولين فورست تتناول قضايا معقدة ومتزامنة مع اشكاليات عصرنا. فقررنا مقابلتها حول هذه اشكاليات.

كتابك يدافع عن النموذج الاندماجي الجمهوري الفرنسي. هل تعتقدين أن اسباب النقاش حول الهوية الوطنية راجع الى أزمة هذا النموذج؟

الأسئلة المثارة والرائجة في كندا أو بلجيكا هي نفسها التي نعيشها ولكننا لا نتكلم هناك قط عن أي هوية وطنية. عندما تطرح الدولة النقاش كذلك، فهي حتما ترتكب خطأ جسيما في التشخيص. انها تستخدم المصطلحات التي توجه النقاش الى الباب المسدود وتدفعنا لطرح أسئلة خاطئة غير بناءة. المشكلة ليست في معرفة ما معنى أن تكون فرنسي. نحن نعلم: إذا كانت لذينا بطاقة الهوية الوطنية، فنحن فرنسيين، إن لم تكن لدينا هذه البطاقة، فلسنا كذلك. اما بالنسبة للبقية، فلنترك للمؤرخين البث لاحقا عن مبادئ عهد ومقارنته بآخر.

هذا النقاش يبدو أخيرا من أعراض الاشكاليات التي تصفونها في "آخر اليوتوبيا". فما هو رأيك؟

الخلط الذي وقع فيه السياسيون هو الذي يبدو بالنسبة لي الأكثر كارثي في المنعطف الذي أخده النقاش حول الهوية الوطنية. كما أنني بدأت كتابة هذا المقال قبل هذا النقاش لأنني توقعت كل هذا الارتباك. بعض السياسات، وسياسة نيكولا ساركوزي في المقام الأول، مازالت لا تفرق بين الأصل العرقي والدين والتوجه السياسي لمواطنينا. كانوا يعتقدون ان عربيا يساوي مسلم الذي يساوي بدوره أصولي مسلم. حقيقة سحق ظلال، وللأسف، منطقية تماما في نظر السياسات لأنها لا تملك الوقت الكافي لصياغة أفكارها والتفكير في هذه الموضوعات. فهنا يأتي دور المثقفين، على وجه التحديد لإعادة تعريف الأشياء وتحويل النقاش.

ما هي المصطلحات التي كان من المفروض استعمالها لطرح النقاش؟

أنا لا أنتمي الى اليسار الذي يعتقد أننا يجب الهروب من هذه الاسئلة. ولن أترك هذه القضايا الرمزية إلى اليمين واليمين المتطرف. هل هناك طريقة في نفس الوقت علمانية ومعادية للعنصرية لطرح هذه المواضيع. فالسؤال الحقيقي هو: كيف يمكن للمرء احياء اتفاق بين ما هو خاص وما هو شمولي؟ كيف التعامل مع المتطلبات ذات خصوصيات دينية دون أن نصبح متعصبا ودون تغريق الشمولية المثالية؟

الأطروحة الرئيسية لمقالك هو بالضبط ان الصيغة الصحيحة "للاندماج" تكمن في التوازن بين احترام ما هو خاص وما هو شمولي. توضيح هذين العنصرين يبدو معقدا. هل هناك طرق عملية لتحديد أين يكمن هذا التوازن؟

لا توجد وصفة سحرية، ولكن هناك بعض القواعد حتى لا نخطئ كثيرا. لمواجهة متطلبات خصوصيات الأقلية الدينية، الأول هو أن نتساءل كيف سيكون رد فعلنا إذا جاء الطلب من الكاثوليكية أو من ديانة نعتنقها. هذا الامر سوف يجعلنا ننظر الى الآخر على قدم المساواة، ليس ككائن نختلف معه اختلافا جوهريا. هذا هو أفضل وصفة لتجنب الوقوع في الغرائبية، التي ليست الا وجه مصقول للعنصرية. والقاعدة الأخرى هي الاخذ بعين الاعتبار السياق، والتساؤل حول نوايا الجماعة التي تقدم الطلب وأثر الرد الإيجابي على ذلك.

في كتابك، كنت تصرين على وجه الخصوص على أهمية رفض مبدأ الأوقات الغير مختلطة في المسابح؟ الا ترين ان الموافقة على هذا الطلب لا يضايق، رغم ذلك، تنظيم المجتمع.

يتعلق الامر بموضوع لا يتجزأ. ليس عدم الاختلاط في حد ذاته مشكلة. ففي بداية الحركات التحريرية للنساء، تكونت افواج من الخطباء الغير مختلطين بين النساء، تم إنشاؤها للحديث عن الاغتصاب. عدم الاختلاط كان يهدف المساواة بين الجنسين، وبالتالي هدفه تحرُّري. عندما تتنظّم جماعات دينية للحصول على أوقات غير مختلطة في المسابح باسم رؤية معينة من الاحتشام، فهي تهدف التمييز وعدم المساواة بين الجنسين. فهنا الأمر يختلف تماما. وعلاوة على ذلك، إذا استسلمنا لهذا الطلب واستمرت بعض النساء المسلمات الذهاب الى المسابح في الاوقات المختلطة، فسوف يخاطرن بأنفسهن ويتعرضن الى أن ينظر إليهن كمومسات أو خائنات. وهذا مما يزيد من الضغوطات الطائفية والدينية على عاتقهن. في هذا السياق، أعتقد أن من مصلحة الجمهورية العمل على تخفيف هذه الضغوطات، وتشجيع التنوع والتحرر. فالقانون المتعلق بالرموز الدينية في المدارس العمومية نشأ بنفس هذا المنطق. بين النساء اللواتي في حاجة ماسة لارتداء الحجاب، ويمكن أن تذهبن للدراسة في القطاع الخاص أو عن طريق المراسلة، ونساء، إذا تم السكوت على الحجاب في المدارس العمومية سوف يفرض عليهن رغم امتناعهن ارتدائه، فالجمهورية اختارت مساعدة هاته الفئات.

عبر كتابك، تحللين مختلف نماذج الاندماج في بلدان مختلفة. ما رأيك في نهج حكومة ساركوزي؟

يصبح التنوع شكلا من أشكال الاوثان السياسية التي تعمل على اخفاء التخلي عن سياسات تكافؤ الفرص أو مكافحة عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية، واستبدالها بسياسات "مستحضرات التجميل" أقل كلفة بكثير والغاية منها جلب حصص بعض البروفيلات المختلفة الى المدارس الكبرى. وهذا يطرح مشكلة بالنسبة لي. فهو يعيد تأهيل التفريق. ونحن نحاول أن نشرح للناس الذين لديهم احكام مسبقة أنه ليس لكون ديننا أو أصلنا مختلف، يجعلنا مختلفين جذريا عن البشر، ولكن سوء استخدام مبدأ التنوع ينقل رسالة معاكسة.

أنت غير متفقة مع حصة 30٪ في المدارس الكبرى؟

يسرني أننا استطعنا الحفاظ على المعايير الاجتماعية والمنحية: نيكولا ساركوزي أراد اعتماد معايير عرقية. انه يود ان "نرفع النفاق". وغالبا ما تشمل المعايير الاجتماعية أطفال المهاجرين ولكن على أسس شمولية. الا أن حصة 30٪ تبدو بالنسبة لي حصة عالية جدا. أنا لا أعتقد أنه يمكنك ضبط السقف بطريقة تعسفية أو نظرية، لا سيما إذا كان عليه أن يكون ملزما. هذا هو نفس المشكلة مع النساء في مجلس الإدارة. أنا أفهم تماما أولئك الذين يقولون حاولنا كل شيء، وليس لدينا خيار. أتمنى فقط ان نتحدث عن حصص مؤقتة، عليهم أيضا ضبط تاريخ انتهاء صلاحيتها. أنا لا اتعارض والبراغماتية ولكن اتوخى اليقظة حول الخطب الجوهرية الذي قد تصاحبها. لا ينبغي أن توقد ردود الأفعال هاته الكليشيهات على المرأة. يجب علينا أن نأخذ هذه التدابير كمتهالكة، مؤقتة وتهدف فقط لوضع ركلة كبيرة في عش النمل. تقييد الحركة من فوق يبدو لي دائما حل أسوأ من تشجيعها من القاعدة.

على وجه التحديد، كيف يمكن تشجيع الحركة من أسفل، وبالتالي تنساق في نهج أكثر شمولية، كما تنادين بها في "آخراليوتوبيا"؟

أعتقد أن علينا استدراج هذه الحركات عن طريق النقاش والتفكير النقدي والشجب العلني. فاليوم، تنشر الصحف الجذاذات التي تبين على وجه التحديد عدد النساء في مجالس إدارة الشركات الكبرى. يبدو إيجابية للغاية. إذا فعلوا ذلك كل عام، مع مقارنة ترتيب التقدم المحرز في هذا الشأن، فستتفتح القادة من ذات نفسها إلى بروفيلات مختلفة. وهذا سوف يجنب المرأة، اتهامها بأنها حاضرة عن طريق تأثير ميكانيكي ناتج عن الضغوطات والاقساط. وبالإضافة إلى ذلك، فالمستهلك هو أيضا مواطن. عند شراء منتوج ما، يجب ألا يشكك فقط في الصفات الجوهرية للمنتوج، ولكن أيضا أن ينظر ما إذا كان مصنوعا من قبل الأطفال، وإذا كان المنتوج يحترم البيئة أو إذا كانت النساء متواجدة من بين اعضاء مجلس إدارة الشركة المنتجة. أنا أفضل هذا الوضع الاستدراجي. قد يأخذ قليلا من الوقت، ولكنه يرسِّخ الحركة بقوة أكثر.

الحصص الجنسية تبدو لكم أقل إشكالية من تلك المتعلقة بالعرق؟

التفريق بين الجنسين ملحوظ للغاية: نحن لا نخترع الفئات لتحقيق ذلك. الحصص العرقية، هُم يفرضون إعادة بناء الهويات ويخترعون فئات مجردة تماما. اقفال شخص في هذا التركيب يطرح لي المزيد من المشاكل أكثر مما هو الحال بالنسبة للتصنيف الجنسي، على الرغم من ذلك، وفي نهاية المطاف، أحلم بعالم يتوقف عن وضع الناس في "فئات". وقد أظهر علماء الأنثروبولوجيا أن هناك تواصل بين أكثر المذكر وأكثر المؤنث فيما يتعلق بالهيكل العظمي والاحماض النووية. الشيء نفسه بالنسبة للجرعة الهرمونية، رأينا ذلك مع حالة ذلك الرياضي في جنوب افريقيا. تمييز الذكور عن الإناث امر أكثر تعقيدا بكثير مما يبدو أو يظنه البعض. نحن ما زلنا في العصور الوسطى فيما يخص تناول هذه الموضوعات، وآمل أن نصل يوما الى مزيد من الانفتاح.

المقابلة مع أوريلي لوشار
السبت 3 أبريل، 2010

السبت، 5 ديسمبر 2009

عاصفة في مئذنة



 لم يتوقع أحد نجاح التصويت السويسري لصالح حظر بناء مآذن جديدة. ولا حتى اليمين الشعبوي الذي كان وراء هذه المبادرة. اليوم، نبحث عن مسؤول. هل هو خطأ النخب الذين لم يروا ذلك مُقبلاً، أم الشعب الذي أعرب عن سَأمهِ؟ خطأ وسائل الإعلام، التي تحدثت كثيرا عن الإسلاموية، أم خطأ الأصوليين الذين فعلوا الكثير؟ لننحي جانبا الأحكام الأخلاقية من أجل التشكيك في النية، والسياق 
ونطاق هذا التصويت.
القصد من ذلك في البداية. تأتي المبادرة من مجموعة مقربة من حزب الشعب السويسري UDC، هذا الحزب الشعبوي خلط عن طيب خاطر في الملصقات الانتخابية بين مسألة الهجرة و الأصولية. أظهرت إحدى الملصقات لصالح "نعم" امرأة بالبرقع في وسط العلم السويسري المغطى بالمآذن على هيئة صواريخ. استطاعت المرأة إثارة انتباه الناخبين المُستائين من إرتداء البرقع، في حين كان التصويت حول حظر بناء المآذن ....
كما الحجاب على الشعر، لم تكن المئذنة بأي حال من الأحوال إلزام قرآني. لكن ليس لها نفس المضمون المتفاوت. فكما يدلّ الجرس على الرغبة في دعوة المؤمنين له، وأحياناً بعض التبشير. يمكن للمرء أن يفهم أن الاستفتاء على التخطيط العمراني يهدف لتنظيم ارتفاع المباني الدينية وفرض الصمت، إذا كان احتراما لسكان الحي. تم حل هذه المشكلة قبل التصويت، لكن هذا لم يكن الاقتراح الاساسي. انه يستهدف المآذن، وليس الأجراس، و الذي يشكل في الواقع تمييزاً بين أماكن العبادة.
بعيدا عن كونه علمانياً، يأتي هذا الموقف من نهج ديني. كنا نسيناه، ولكن الإصلاح البروتستانتي منع الأقلية الكاثوليكية السويسرية من رنين الأجراس وحتى بناءها. هذا التقليد، غير العادل، قد تم إعادة إحيائه ضد بناء المآذن.
بلدان منظمة المؤتمر الإسلامي، الممثلة بقوة في مجلس حقوق الإنسان ومقره في جنيف، كان لديها الحق هذه المرة في الصراخ من "ازدواجية المعايير"، لكنهم لم يصرخوا بصوت عال جدا. لكن سويسرا بعيدة أيضاً من أن تكون غير عادلة كما بعض الدول الإسلامية، التي تحظر بشكل قاطع بناء الكنائس، وليس فقط ذات الأجراس. بالنهاية يبقى بلداً سيجد صعوبة في اتخاذ إجراء يبتعد بوضوح عن مبدأ المساواة حيث تجتمع المؤسسات الضامنة لحقوق الإنسان.
خلافا لقانون الرموز الدينية الواضحة في المدارس العامة، فإنه ليس للدفاع عن المساواة بين الرجال والنساء، ولكن لضمان الهيمنة البصرية والرمزية المسيحية على حساب الإسلام. وفقاً للمقاربة التي تتبنى الهوية وليس العلمانية.
العلمانية التي نعيشها في فرنسا تضمن معاملة جميع الأديان على قدم المساواة. أنها يمكن أن تكون مُتطلّبة في مقابل بعض التفسيرات السياسية وغير العادلة للدين، وخاصة في المدارس العامة، ولكنها تحترم أماكن العبادة، ويمكن أن تصمد حتى في ظل الثقافة والتراث. بينما قدمت سويسرا خيارا معاكساً: لم تقم بمعالجة المظاهر السياسية و الدينية (مثل الحجاب)، ولكن تناولتها من زاويتها الثقافية، الهندسة المعمارية.
ومع ذلك، فإن المساجد مع المآذن غالبا ما تكون الأجمل والأقل أصولية. في حين أن المركز الإسلامي في جنيف، المقر الرسمي حيث يشع الإخوان المسلمين من سويسرا، لا يوجد فيه مئذنة.
هذا الإسلام السياسي القادم من مصر منفصل إلى حد كبير عن انشغالات مسلمي سويسرا، الأغلبية التركية والألبانية في المقام الأول. ومع ذلك، قدمت وسائل الإعلام المحلية دعاته منذ فترة طويلة جدا كصوت للإسلام السويسري. للإزعاج، وربما للمساهمة في رد الفعل العنيف هذا. للمفارقة، نتيجة لهذه المبادرة سيتمكنون من تعزيز دعايتهم كضحية، و حتى الأصولية.
اللوموند، 5 ديسمبر 2009