الخميس، 7 فبراير 2013

تحقيق في شبكات التطرف



https://carolinefourest.wordpress.com/2013/02/09/les-reseaux-de-lextreme/

صحفية، وكاتبة اعمدة صحفية، ومؤلفة، درست كارولين فوريست، لمدة خمسة عشر سنة تقريبا، الحركات المتطرفة والأصولية الدينية ونشرت عنها العديد من الكتب ولاسيما الاخ طارق (غراسيه، 2004)، وإغراء ظلامية (غراسيه، 2006)، و"أحرار للتعبير عنه" في حوار متقاطع مع تسليمة نسرين (فلاماريون، 2010)؛ أو مع فياميتا فينير: في العلمانية على محك الاصوليات اليهودية والمسيحية والاسلامية (لاتيس)، وكتاب مارين لوبان (غراسيه، 2011).

فاليوم، مفعمة ومليئة بحس تعليمي وتربوي وكذلك بحس المواطنة، تقوم كارولين فوريست امتدادا لعملها بإنجاز سلسلة وثائقية ممتازة (
x52 دقيقة) مكرسة ل"شبكات التطرف".

تقولين إن هذه السلسلة ناتجة عن الصعوبة التي تتعرض طريق التلفزيون حتى يقدم تقريرا شاملا عن الشبكات المتطرفة. أين تكمن هذه الصعوبات؟

ببساطة لأن التلفزيون يعتمد على الصورة ولإن الدعاية تتلاعب بكل سهولة بهذه صور. فمن الصعب الانتقال من تواصل المظهر الى واقع أيديولوجية الحركة. على الاقل إظهار الوجه الحقيقي الذي تريد أن تعطيه هذه الشبكات. ولتحقيق ذلك، نحن بحاجة لاعتماد مجموعة متنوعة من المصادر لتقديم العديد من الجوانب التي تشكل الحركة. ومن هنا جاءت فكرة هذه الكتابة التي تجمع بين كل هذه المصادر، وخيط احمر تعليمي ولقاءات مع الخبراء، وصور من الإنترنت ونشرات دعائية واللجوء في بعض الأحيان إلى الكاميرا الخفية والتقارير.

كم من الوقت كلّفكم استكمال هذا التحقيق؟
أريد أن أقول لك عشرة سنوات لأن امكانية العثور على المصدر الأكثر تعبيرا والذي بوسعه أن يفضح خطاب المظهر، تتطلب سنوات من العمل. وكنت امتلك في جبتي بالفعل الكثير من العناصر التي كان علي القيام بفرزها لتحديد تلك التي تبدو انسب للتلفزيون. ثم كان علينا أن نفكر في الشكل الذي سوف تأخذه هذه الأفلام فضلا عن الشبكات التي سنتمعّن في فحصها.

بالضبط كيف اخترت هذه الحركات الأربعة؟
اقترحت لائحة من سبعة حركات، الا ان بعد مناقشة مع فرنسا 5 قمنا بتخفيض عددها إلى أربعة. وبشكل مادي وواضح قمنا بتحديدها في " المتعصبين للهوية" و "راديكاليي الإسلام " التان هما على طرفي نقيض من طيف الحركات المتطرفة، وتعزز بعضها بعضا.

كان بوسعنا معالجة موضوع الأصوليين الكاثوليكين ولكن فضلنا التطرق الى "مهوسين بالمؤامرة " لان هذه السلسلة موجهة لأولئك الذين ربما يستقطبهم منتجي المعلومات على الإنترنت ذوي النية المبيتة، فقد يرغبون التعرف عن من يحدثهم من هذا المنبر. وأخيرا، ونحن نرى أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بانتظام في المنقاشات، وبالتالي رغبت التطرق في نفس الوقت -وهو أمر نادر في التلفزيون – الى المتطرفين الموالين للصهيونية والمعارضين لها.



"مهوسين بالمؤامرة "


مع هذه الأفلام الأربعة، أعتقد أننا قمنا بتغطية شاملة لمنتجي التوترات الأكثر نشاطا ودعاية في الحوارات المعروضة على الساحة العمومية وعلى الشاشة. وأيضا الأكثر مضرة والمسببين في تراجع مبدأ العيش معا، واشعال فتيل التوثر بين الهوياّت وخلق مواجهات بين المواطنين بعضهم ضد بعض وزرع عدم الثقة المضادة للديمقراطية.

"المتعصبين للهوية" هي اهم المجموعة في رأيي، فهي تتمتع بفضل شبكة الإنترنت، بصدى كبير. من خلال التحقيق هنا، استطعنا إثبات أن استراتيجية التواصل الفعالة إلى حد ما وجذابة لبلوك ايدونتيتير (كتلة الهوية) في تحاملها على الإسلام - لاسيما من خلال اتخاذ إجراءات ضد الحلال السريع أو صلاة الشارع - في الواقع هي قناع لإحياء تيار يأتي من بعيد: اليمين المتطرف الأكثر كلاسيكي. وهاجس قديم جدا هو الدفاع عن فرنسا البيضاء.



"المتعصبين للهوية"

كل فيلم من الافلام يقوم بتشريح الجماعات والتيارات المختلفة التي تشكلها ...

في الواقع، كان هدفي استعراض مختلف اوجه هذه المجموعات بأشكالها. ففي كثير من الأحيان ولضيق الوقت، يكتفي التلفزيون بعرض مجموعة ما ثم يضع الجميع في سلة واحدة. واحد من أعظم الاجازات التي حققناها في هذه السلسلة هو إبراز ما يميز الجهادية السلفية، والسلفيين الانفصاليين وجماعة الإخوان المسلمين. أو القوميين المتطرفين مثل " الشباب القومي "، ومناضلي بلوك ايدانتتير (كتلة الهوية).

... وينتهي الفيلم على نقاش- المواجهة.

جاءت هذا الفكرة من الإحباط الذي كنت اشعر به خلال المناقشات التي قمت بها على شاشة التلفزيون. على الرغم من أنني شخص معروف بتدبر لقاءاته المتلفزة بشكل لابأس به، عند مقابلة أي نوع من الديماغوجيين، الشعبويين أو اناس قادرين على الكذب أو استخدام الحِيل لإخفاء أساليب التعصب المدمرة للعيش معا، فأنا واعية كلّ الوعي بصعوبة كشف نواياهم خلال نقاش ما. لأنه لا يمكن أن يبقى الا نقاش المظاهر وسطحي إلى حد ما. فالمواجهة هذه ستجري بعد إعطاء مفاتيح الفهم للمتفرجين وما يندرج تحت الكلمة الملثمة والحقيقية وكذا أهدافها. هذه المواجهة هي ذروة الفيلم.

فيلم عن "الإسلام الراديكالي" يختتم بمناقشة أكثر من مواجهة، مع طارق أوبرو، إمام مسجد بوردو.

إذا كنت قد اتخذت طارق رمضان الذي واجهته بالفعل أو شقيقه هاني، للأسف فسوف تكون نية نقاشنا مبيَّتة تماما. درست حواراتهم بالشكل الكافي حتى أدرك مدا اتقانهم ازدواجية الخطاب. وعلاوة على ذلك، فهم يمارسون الضغوط ويضعون شروطا الى درجة يصعب وضع الثقة بهم حقا. وحول مواضيع عسيرة ومعقدة كالإسلام، أردت أن أقترح مع طارق اوبرو، الذي هو عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وسيط أكن له شيئا من الاحترام الفكري. ومعه، اتممنا البرنامج بشكل جيد على نوطة هادئة وبناءة.



"الإسلام الراديكالي"

من الناحية الجمالية هذه السلسلة بمثابة نزهة حضرية. طريقة للتخفيف من وقع كلامك؟

مع أوليفييه لومير المدير الفني وراشيل خان، المنتجة، أردنا في طيف احمر وصور جميلة توفير رشقات من الأكسجين إلى المتفرجين. هذه الجولات التي تستعرض حياة المحقق تسمح بإدراج التعليقات وتسليط الضوء التنويري لأنه من الضروري على الجمهور ان يجد طريقه وسط كل هذه الأسماء والتعاريف الواردة.

هل تعتبرين منهاجيتكم تعليمية ومواطنة على حد سواء؟

للصحافة في المقام الأول دور تعليمي. والطاقة التي نضعها ولاسيما اتجاه الديماغوجيين، يجب علينا استنباطها من الرغبة في المواطنة.

هل لديك مشاريع أخرى؟


أنا على وشك الانتهاء من وثائقي سيبث على فرنسا 2 في شهر مارس والمكرس لمجموعة نسوية فيمن. آمل أن يحظى بالاهتمام للطاقة التي يشعها. كان من دواعي سروري العمل في نفس الوقت على هذين المشروعين المختلفين جدا. من جانب هناك كتابة دقيقة ومكثفة تُحلل بهدف الكشف. ومن جهة اخرى هو فيلم "نبض له قلبي" لقوته وقلة مدخلاته ووفرته على مشاهد للحياة. تمريرين مختلفين للغاية، كلاهما يوحيان بالتوازن، وكلاهما يستلهمان كثيرا.

شبكات التطرف، لكارولين فوريست وفياميتا فينير (فرنسا، 2013، 4
x52mn). ابتداء من 5 فبراير على فرنسا 5، كل يوم ثلاثاء في 20 و35 دقيقة.

مقابلة كريستين روسو

الترياق للتسميم معاديي لديمقراطية

البطالة وانعدام الأمن، وتقدم سياسات الهوية، والتهديدات الإرهابية ... العلل التي تؤثر على المجتمع باعتباره أرضا خصبة للحركات المتطرفة، سواء كانت دينية أو قومية. متدربين على الخطاب المزدوج، والتلاعبات والتضليليات التي يتشرونها، خاصة على الإنترنت والمنتديات الاجتماعية، فهي تلعب على المخاوف وتهدد العيش معا. على هذا النحو، فإننا ننصح بشدة سلسلة وثائقية ممتازة التي تقدمها كارولين فوريست حول أربعة من المجرات الكبرى المكونة لهذه الشبكات المتطرفة. وهي "المهوسين بالمؤامرة"، مع شخصية محورية تييري ميسان. "المتعصبين للهوية"، المشتركة بين متطرفي الهوية، ولاسيما ايدانتيتير الشهير بحملته "ابيرو سوسيسون بينار" (مقبلات نقانق بينار). الإسلام الراديكالي، حيث يتم التمييز بين السلفيين والإخوان المسلمين.


 وأخيرا، "الصهاينة الناجون من الغرق"، حيث يتواجه بشدة الموالين للصهيونية، مثل شبكة أورابيا، والمضادين الصهاينة مثل الاوغر(الغيلان) أو شبكة ديودوني. تأخذ شكل نزهة حضرية، كل فيلم ذو جمالية فائقة العناية وهاجس تعليمي متأني وثابت - وهذا من نقط قوته - يُشَرّح هذه الحركات، والتيارات التي تشكلها وتميزها، خصوصا مع الفك الوجيه لتشفير الدوافع الحقيقية وراء الخطب المظهرية واستراتيجيات التواصل، وفي مواجهة هذه السموم المعادية للديمقراطية، قامت كارولين فوريست، بعيدا عن الجدل، لتُهدينا هنا ترياق قوي.





http://www.lemonde.fr/culture/article/2013/02/07/enquete-dans-les-reseaux-extremistes_1826319_3246.html

السبت، 5 مايو 2012

من سد جمهوري إلى سد آخر





لوموند، 5 مايو2012

كان حزب اليمين يحلم بخصم مريح. يسار التراخي الى درجة التعاطف مع الطائفية والأصولية. وكانت مناوراته هذه، فرصته الوحيدة للفوز في الانتخابات. الهجوم على القِيم وقت دق ناقوس النتائج الاقتصادية. وكانت زاوية المواجهة جاهزة. جداول أوقات المسابح غير المختلطة، القوائم المنفصلة داخل مطاعم المدارس ... فيكفي ربط كل هذا مع تصويت الأجانب في الانتخابات البلدية لإشعال الفتيل. كان المناخ مواتيا: هجوم الإسلامويين و17.9٪ من المنتمين الى حزب مارين لوبين. أوشك الحريق أن يشتعل. كان من شأنه تشكيل شاشة دخان، أو، من يدري، قلب المفاهيم في الفترة الممتدة بين الجولتين. مع سرد حكاية بسيطة: ادعاء احتكار الشجاعة والعلمانية، لاضفاء طابع "حليف الإسلاموية" على حزب اليسار.

لم يُترك شيء في صالح خدمة ترديد هذه الانشودة. ولا حتى النداء المفترض والوهمي الصادر عن 700 مساجد، ولا إخراج طارق رمضان من الأدراج. فلابأس ان كان الكل أو الجزء الكبير من وحي الخيال ... وما إذا كان النداء الصادر عن 700 مسجد لم يصدر قط، ولكن بالمقابل قام الأصوليين بتوزيع منشورات تطالب بالتصويت ضد المرشح الاشتراكي. فلابأس إذا لم يدعم طارق رمضان فرانسوا هولاند، وإذا لم يثمن هولاند شخص وصفه " بالمفكر السويسري الذي يجهر بأطروحات لا تمت افكارنا بصلة ". ولايهم ان  وُضع حدّا لتوقيت المسابح غير المختلطة في مدينة ليل، ولكنها مازلت قائمة في بعض المدن المسيرة من قبل حزب اليمين الحاكم ... فكل هذا لا يهم...

لماذا؟ فحول هذه المواضيع، ولمدة عشر سنوات، يبدو حزب اليمين دائما أكثر مصداقية من حزب اليسار. حتى جاء يوم نقاش بين الدورتين عندما قام فرانسوا هولاند، وبكل وضوح، بالنطق بهذه الكلمات: "في ظل رئاستي، لن يكون هناك أي تجاوز لقواعد العلمانية". ففجأة رفع الضباب، ووجد حزب اليمين نفسه أمام سد استهانت بأهميته: اليسار الجمهوري والعلماني. اليسار الذي أراد التكريس الدستوري لقانون 1905 بينما أراد نيكولا ساركوزي "تنظيفها" باسم و"العلمانية الإيجابية" ملوحا بكون العلمانية الفرنسية سِلبية. يساريرفض ان تعلى كلمة الكاهن او القس أو الإمام على المعلم. بينما نيكولا ساركوزي يحلم بسرب من الكنائس والمدارس الدينية لتعزيز الانطواء الطائفي. ليس هذا فقط ولكن اليسار فاز معركته ضد اليسار الظلامي، الذي كان يحاول ان يجد ظروفَ التخفيف للأصولية. باسم التعددية الثقافية، أو معاداة الصهيونية أو الخوف من العنصرية. هذا اليسار موجودا، لكنه انهزم. انتخابيا وحتى فكريا. فقد صمد السد المانع. وتم احتوائ الإغراء الظلامي الذي جسّد خطر العقد الماضي.

غير انه هناك سد آخريُظهر علامات الضعف والهشاشة. ذلك الذي يُفرق بين اليمين الجمهوري واليمين المتطرف وإغراءه للانطواء الطائفي. ليس في خدمة الأصولية بل في خدمة العنصرية. فعلى حزب اليمين الجمهوري اثبات صموده. عليه ضرب موعد لنا لنعرف ما إذا كان يمكن للإغراء الظلامي تغذية الفتنة القومية. أم ان كليهما سوف يفشلان.

كارولين فوريست "عندما يتحلى اليسار بالشجاعة"

السبت، 28 أبريل 2012

اليمين المتطرف "غير المُعقّد"





لوموند، 28 أبريل 2012

يتمو
ْقع نجاح مارين لوبان في الأدهان أكثر مما يتموقع في الأرقام، فرئيسة حزب الجبهة الوطنية لم تحقق الهدف الذي قامت بتحديده والذي كانت على امل الوصول اليه: ان تكون مصنّفة الثانية. لقد استطاعت تعبأة 896000 صوتا أكثر مما استطاع والدها تعباته في الجولة الثانية سنة 2002. وهذا يعتبر دفعة قوية لمسارها، ونتيجة تاريخية، ولكن هذه الدفعة لا يمكن اعتبارها بمثابة "موجة مد" على رغم الرياح المواتية التي رافقتها ظيلة هذه الحملة الانتخابية.

ففي عام 2002، استفاد جان ماري لوبان من أجواء ما بعد 11 شتنبر ومن المشاعر التي تحركت اثر الاعتداء الرهيب الذي تعرض اليه رجل مسنّ. فبعد مرور عشر سنوات، تألقت ابنته بصورة أفضل بكثير في ظل مناخ مروع يخول لها الارتكاز على الأجواء التي خلقها. حدوث الازمة الاقتصادية التاريخية. فخيبة أمل ناخبين نيكولا ساركوزي، على الرغم من فترة ولاية امتدت على مدى خمس سنوات وحملة انتخابية ارتكزت أساسا على التملق لمواضيع ومصطلحات يتميّز بها اليمين المتطرف عن باقي الاحزاب. وأخيرا، وكتتويج لهذه الظروف الملائمة، حدوث الهجوم الاسلامويي. أفضل من ذلك، لقد قام أب لإرهابي بالتهديد بتقديم شكوى ضد فرنسا. وعلى الرغم من هذا الكوكتيل المتفجّر، لم تحصل مارين لوبان سوى على 896000 صوت أكثر من جان ماري لوبان ... بينما استقطب جان لوك ميلينشون ثقة 3.9 مليون فرنسي في حملة واحدة.

غير ان هذا الفارق يبقى مهما للغاية. فيمين اليمين يزن أكثر من يسار اليسار. فعلى ضوء كل ذلك، ومن هذه الزاوية،
أي زاوية الجبهة الوطنية، سوف يتم فحص اوجاع فرنسا الساخطة على الوضع، وبالألة المكبرة.

ففرنسا ممزقة، ومن الواضح منساقة أكثر الى رفض العولمة عن رفض الرأسمالية. حيث يختلط الخوف من ترحيل الشركات بالخوف من المهاجرين. كما لو ان ترك الابواب مفتوحة، من شانه اخراج الآلات وادخال الأشخاص، وبالتالي يشكلان كلاهما منافسة وتهديد في نفس الوقت لا بالنسبة للعمل ولا بالنسبة للحياة داخل المجتمع.

يجب ان نعلم ان  التصويت للجبهة الوطنية هو تصويت تجمّعي. تصويت فرنسا التي تحلم بالقلعة، وهي قادرة على الانطواء على نفسها، وعلى بعضها البعض وعدم سماع "ضجيج" الآخرين وكل مآسيهم وسوء أحوال الطقس. ففرنسا تحلم بالتحكم من جديد في قَدَرها وتعتقد ان باستطاعتها فعل ذلك بخروجها من العالم. الى درجة يبدو فيها البلوغ الى المستوى الأوروبي هدف غير قابل للتحقيق ولا للفهم وقليلا ما يستسغ الى نداء الشعوب.


وهذا الامر ليس افتراء، وليس من الصعب أن نتصور فرنسا تعترف باستمالتها لهذا الإغراء. فرنسا البوادي التي تشعر بنفسها بعيدة عن المدن. وفرنسا السفلى المتعطشة للانتقام من فرنسا العليا. وفرنسا المتقدمة في السن والتي تخاف من الشباب. وفرنسا الشبيبة الغاضبة من كونها سوف تعيش حياة أسوأ من مُسنّيها.

فهؤلاء الفرنسيين هم الذين نفخوا الرياح التي هبت في أشرعة مارين لوبان. ولكن ليس هذا هو الدرس الحقيقي الذي قد نستشفه من هذه الجولة الأولى. فعلينا ان نعلم ان الجبهة الوطنية لم تقف على الجولة الثانية لتحريك زلزال لن يستيقظ منه حزب اليمين. ان سد جاك شيراك سقط تماما لا في المصطلحات ولا في الادهان. بسبب استعمال عبارة حزب اليمين "غير المعقّد"، قام نيكولا ساركوزي وباتريك بويسون بتدمير هذا السد، حجرة بعد حجرة. وسيبقى من بعدهم حطاما. وعلى هذا الحطام تأمل مارين لوبان إعادة بناء يمين متطرف "غير مُعقّد" ... سوف لن يجرأ أحد تسمية حزبها بالمتطرف. لأنه سوف يصبح، هو نفسه حزب اليمين. ومن دون نعث 
!

كارولين فوريست "عندما يتحلى اليسار بالشجاعة"

الجمعة، 20 أبريل 2012

جبهة ضد جبهة




لن تستيقظ فرنسا على نفس الإيقاع وخصوصا بنفس الوجه حسب ترتيب المرشحين في الدورة الأولى من هذه الانتخابات الرئاسية. أتصدر فرانسوا هولاند هذه الانتخابات عند موعد 22 ابريل. أم استطاع جان لوك ميلينشون تحقيق "المعجزة" وجعل مارين لوبان تحتل المركز الرابع.

ليس هناك مباراة يُحسم فيها مسبّقا. ولا سيما تلك التي نحن بصددها. فنتائج التصويت لصالح الجبهة الوطنية صعب التنبؤ - يتمّ دائما سوء تقدير نتائجها - لا شيء يمكن توقّع الفارق الذي قد يفصلها عن جبهة اليسار. هناك شيء واحد مؤكّد. هي الصورة التي سوف تعكسها فرنسا وصورة التي سوف يعكسها الفرنسيون لأنفسهم ستكون مختلفة جدا إذا استطاع هذا اليسار تجاوز الجبهة الوطنية بفارق بسيط، أو حتى التساوي معها فيما يخص عدد الاصوات.

لقد تم التركيز كثيرا على القواسم المشتركة بينهم. قد يكونوا موجودين.  انها القدرة على التغلب على صعوبات الواقع، على هذه الرسومات البيانية اللعينة للاقتصاد وهؤلاء الصحفيين المزعجين، لرسم عالم وهمي، أكثر انسجاما مع وعود الملوّح بها ... 

ان الامر جد سهل لأولئك الذين ليس عليهم احترام وعودهم. وقد يعتقد البعض ان الجبهتين لم تتخلصا بعد من الحنين المشكوك في امره الى اليوتوبيا الشمولية المسجلة في الحمض النووي لشيوعية أو القومية. فالقاسم المشترك بين هاتين اليوتوبيتان العقائديتان هو كون أيديهم ملطّخة بالدماء ويدوسون دائما بأقدامهم على حرية التعبير والرأي.

ومع ذلك، لم يعد لهاتين الجبهتين علاقة بيّنة مع هؤلاء الوحوش. فمارين لوبان رغم رقصتها الجميلة في فيينا مع من يشدّهم الحنين الى النازية، فهي لا تريد إبادة "الاعراق الدونية "ولكن تُفضل الوطنيين عن غيرهم. وجان لوك ميلينشوني قد يغني باعلا صوته نشيد العالمية، فهو لا يريد ديكتاتورية البروليتاريا ولكن يبحث عن وضع حد لدكتاتورية الأسواق.

إذا كانت ويلات الاستبداد باسم الأمة في بعض الأحيان مماثلة لتلك التي ترتكب باسم البروليتاريا، فلا مقارنة بين جبهة اليسار والجبهة الوطنية. ان ثقل أوجه التقارب التي تجمع بينهما أخف بكثير من وضعهما الراهن وخلافاتهما العميقة.
وان كانت وريثة الجبهة الوطنية تتحدث باسم الشعب والجمهورية وباسم العلمانية، فهي لا تعترف الاّ بقانون العشيرة، وبحلم استعادة الهيمنة الثقافية الكاثوليكية وبحق الدّم. ففرنسا التي تنادي اليها غاضبة من المهاجرين. فهي لن تكون فرنسا المؤيدة للمساواة ولكن فرنسا تدرّج الهرمي الاجتماعي للفرنسيين. مركزها الثالث في الانتخابات – 
وقد يكون الأمر أسوأ – هو بمثابة دعوة الى تثبيت الهوية.

فالاّمُتسرول (سان كيلوت) وان كان وزيرا وعضوا في مجلس الشيوخ، يعرف جيدا أفضل من غيره تاريخ الجمهورية ويُجسّد أكثر من أيّ أحد، الشغف المتمرد النّاتج عن الثورة الفرنسية. فرنسا التي يريدها غاضبة على الأغنياء. قد تُربك المفاهيم بين الرغبة في الانتقام والبحث عن العدالة الاجتماعية، نسبة الى درجة مرارتها. لكن هذا الغضب، على الأقل، أمر مفهوم. وإذا حضي هذا اليسار بالمركز الثالث فسوف يرسل إشارة قوية... لصالح المساواة.

هذا ما ننساه أحيانا عند مقارنة الجبهة الوطنية بجبهة اليسار. فالمفارقة بينهم مسألة لا تتوقف على نسبة الاختلاف ولكن على طبيعتها وأهدافها. ومن شأنها أن تغير صورة فرنسا على حسب صفّ ترتيبهم.

للتاريخ: نهاية التشويق. خلافا للآمال المذهلة التي خلقتها استطلاعات الرأي ولكن طبقا لتخوفاتنا، انتصرت الجبهة الوطنية بفارق كبير على الجبهة اليسارية ...

كارولين فوريست في جريدة لوموند

"عندما يتحلّى اليسار بالشجاعة" دار النشر غراسييه 2012