الخميس، 3 أغسطس، 2017

فنزويلا: العودة الى الافتتان الصبياني




الحزب الشيوعي الفرنسي مُتحمس. في بيان جدير بتلكسات (برقيات) موسكو، هنّأ فيه الحزب الرئيس مادورو عن هيأته التأسيسية الملوثة بالرّدائل والموتى. لا شيء تم احترامه. يقتضي الدستور القيام باستفتاء مسبّق غير أنه دُهس تحت الأقدام. عشرات من المتظاهرين خرجوا للتّنديد. وخلال الحملة، تمت تصفية العديد من شخصيات المعارضة لكنه حقّا نجاح باهر. هذا ما يعتقده الحزب الشيوعي ويكتب عنه دون تحفظ أو تعاطف مع الموتى.

آه آسفة، تم التنديد عن طريق بعض السطور "بمناخ العنف المتزايد من جانب المعارضة". كما تمت الإشارة أنها "مدعومة من قبل الإدارة الأمريكية". لقد تأكدت عودة الموضة القديمة الستالينيّة. الجائزة تعود إلى الاتحاد العام للعمّال لجهة بوش دو رون بفرنسا، الذي يتّهم بشكل مباشر "أرباب العمال" و "القوى الرجعية" بالرغبة في "زعزعة إستقرار "العملية الثورية" باستخدام "الميليشيات الفاشية المُموّلة من قبل رؤوس الأموال الكبيرة وسماسرة الحكومات الأجنبية ". حتى جريدة البرافدا أو حتى الغورافي (الجريدة المختصة في نشر الأخبار الزائفة والساخرة) لم يجرئا على القيام بذلك.

فعلى مواقع تويتر، قام المفوضين السياسيين الصغار التابعين لتشافيز بالتعبيرعلى هيجانهم. ماذا؟ المتظاهرين؟ " انهم سوى خونة مُستأجرين من قبل وكالة الاستخبارات المركزية". ماذا عن قتل المعارضين السياسيين لهم؟ "سوى مؤامرة من المعارضة، تم حصرها في بعض المتطرفين الذين يريدون تنظيم هجمات لخلق "حرب أهلية". فأكثر من الدكتاتورية التي باتت تُطبّق، أضحوا يخشون انقلابا عسكريا يهدف إطاحة مادورو. هكذا جاءت في تلميحات وعبارات ضمنية عبر حسابات (غير ساخرة) مقرّبة من جان لوك ميلينشون.

ان ماكسيمو زعيم "فرنسا المتمرّدة" انسان مثقف جدا حتى يلعب وبشكل صارخ دور “الأحمق المفيد" لمادورو. كان يفضل سلَفه. على الرغم من انه ينفي ذلك، لكنه مدحه في العديد من تصريحاته - بما في ذلك مديحه المشيد بتشافيز في حفل تأبينه بأنه رجل دافع عن الحريات - خيانة "تواضع الغزلان" عندما يتعلق الأمر بمواجهة انحراف النموذج الفنزويلي. كل انتقاد يُحوّل إلى "دعاية". العنف ضد المتظاهرين في كراكاس؟ ليست الاّ تجاوزات مماثلة لمظاهرات ضد قانون العمل... لم نكن نعلم أن "فرنسا المتمرّدة" تتفهّم بهذا الشكل الظروف العصيبة التي تعمل فيها الشرطة. ومع ذلك، ففي فنزويلا، وليس في فرنسا، عندما تجاوزت الشرطة حدود الحفاظ على النظام. الى درجة محاولة توقيف النقابة الرئيسية التي كانت وراء الإضرابات التي ندّدت بانتهاك مُقتضيات الدستور. فقد عمّ الصمت بين أوساط عدد من "المتمرّدين (الفرنسيين)" حينها.

أولئك الذين ندّدوا طويلا بهيمنة وسائل الإعلام، بالكاد ترنّحوا عندما أغلق حزب شافيز الحاكم، التلفزيون الرئيسي للمعارضة . صفّقوا عندما قام نفس الحزب الذي مكث ثلاثة عشر عاما في السلطة، بالاستفادة من عائدات النفط لشراء العملاء بدل تنويع الاقتصاد ومحاربة الفقر من جدوره. حتى الأكثر علمانية آمنوا بالمسيح وبمعجزته الاقتصادية. سراب حقيقي، في مستوى خرافة مارين لوبان حول الخروج من اليورو. خرافة جعلت الشعب الفنزويلي يعتقد أن تبني سياسة الانغلاق على العالم (سواء عن الولايات المتحدة أو عن بروكسل) ستخوّل إثراءه. في حين ان النّمو مدعوما بشكل مُفتعل بواسطة ارتفاع أسعار النفط. فسقطت هذه الأسعار وانهارت الأسطورة. ورأى الشعب حريته تذوب بذوبان معدّل الادخار.

 هذا هو سبب السخط، الذي تجاوز الليبراليين أو اليمين المتطرف. إنه يشمل اليسار المتطرف وأنصار تشافيز القدماء، الذين استيقظوا من أوهامهم. فعلى اليسار الراديكالي الأوروبي العودة أيضا، وبسرعة، قبل إعادة ارتكاب أخطاء الماضي.

هذا سحر الرومانسي للديكتاتوريات، شعبية كانت أم جنوب امريكية، فهي لا تؤدي إلى شيء. ليس هناك شعب يفضّل الديكتاتورية على الاستغلال. فطالما طُلب من الناس الاختيار بين الحرية والاستجابة الى المتطلبات الاجتماعية، سيفشل مضادي الامبريالية.

في حين أن الرأسمالية المظفرة تلتهم ابنائها وأن الرئيس ماكرون يقود سياسة ليبرالية، بإمكان اليسار الراديكالي الفوز بكل شيء. لكن عند القبول بانتخاب نواب الشعب المضادين لشارلي، وفي نفس الوقت السّماح بممارسات القمع في فنزويلا، يجعلنا (هذا اليسار) نتأسف بشدّة ومرارة، لتواجد معارضة يسارية ذات مصداقية.

كارولين فوريست

السبت، 29 يوليو، 2017

إبادة الشعب اليزيدي


 بابا الشيخ: الاب الروحي لليزيديين. تصوير سيباستيان كاستوليه/سيبا


وضعت الأمم المتحدة تعريفا دقيقا لكل ما يتعلق بالإبادة الجماعية. ستكون ستعرف إبادة الأقلية اليزيدية تحقيقات وانعقاد مُناظرات يحضرها الخبراء. في انتظار حكمهم، لدينا عيون ترى. ونحن نعرف بالفعل أن المعاناة التي يتعرض لها الشعب اليزيدي تطابق تماما تعريف الإبادة الجماعية المرعبة: الرغبة في "التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أوعرقية أو دينية بصفتها هذه".

على أولئك الذين يشعرون بالاضطهاد في أوروبا أن يقارنوا مصيرهم بمصير الشعب اليزيدي في ظل حكم الخلافة ... فنادرا ما وصلت العنصرية مثل هذه المستويات من العنف سواء في الإبادة أو الاستعباد أو الاستعمار.

ينحدر اليزيديون من سلسلة طويلة من أسلاف أكراد كانوا يرفضون دائما اعتناق الإسلام، حتى في ظل الإمبراطورية العثمانية. وقد كلفهم الاحراز على استقلالهم ثمنا باهضا: 73 مذبحة ومحاول إبادة جماعية عبر التاريخ. لا يزال الإسلامويّون يفضلون اليهود عن اليزيديين، ويسمونهم "بعبدة الشيطان". لأنهم ببساطة يدعون الله متوجهين الى الشمس ويتضرعون لزاوية الطاووس التي يُنظر إليه على أنه الشيطان.

مستوحاة من عبادة "ميثرا" الذي تغلب عليها التأثيرات المسيحية والصوفية، لا يوجد عند اليزيدية كتاب مقدس، ولا يزالوا يعيشوا على شكل طبقات ويقدّسون الشيخ عدي، وهو المشرقي الذي جدد بشكل كبير ممارسته الدينية في القرن الثاني عشر.

يقع معبده في شمال الموصل في منطقة تسيطر عليها البشمركة، حيث لم يُدنّس من قبل الجهاديين. فهو يشكل قبلة الناجيات من القسر اللواتي يقصدنه من اجل التطهّر. فبعد الاغتصاب والاعتناق كراها للديانة الإسلامية، يصطفن في موكب للعودة يزيديات من جديد.

في القرون الماضية، عندما يتم اغتصاب النساء من قبل قوات الخلافة العثمانية، كان عليهن مواجهة الرفض من المجتمع اليزيدي. لكن ليس هذه المرة. فالزعيم الروحي لليزيديين، بابا الشيخ يُدين أولئك الذين يريدون القاء اللوم عليهن. إنه تقدم حقيقي، لا يُشفي حقا، لكنه يُجنب إضافة الجحيم الى الجحيم.

بدأ الكابوس قبل ثلاث سنوات بالضبط، صباح بائس من 2 أغسطس 2014. قامت داعش، التي احتلّت الموصل، ببعث أتباعها ليمتزجوا في سنجار والقرى المحيطة بها قصد الاستحواذ على اليزيديين. لم تتوقع البشمركة المنتشرة حول القرى لحمايتهم مثل هذه الموجة. كانوا خائفين. فوجد القرويون أنفسهم وجها لوجه مع جحافل من الجهاديين، العراقيين والأجانب. بعدما جُردوهم بالحيلة من كل ممتلكاتهم، جلبت مرتزقة الخلافة الرجال للركوب في الشاحنات قصد اعدامهم. وقد عثروا للتو على قبورهم.

اما مصير النساء اليزيدية فهو أسوأ من ذلك بكثير. في مجتمع تقليدي، الموت أرحم من الاغتصاب. بدأ المجاهدون الضارة يفصلون بين الشابات والطاعنات في السن، الكبار من الأطفال، والأمهات من العذارى قبل وضع ملصقات الأثمنة فوق أظهرهن وبيعهن مثل الذواب. صُور تُظهر طابورا من النساء بالحجاب الاسود السابغ، مقيدة الأعصم بالسلاسل. سُجنت البعض من هن في مخازن من الحبوب. كما سجنت الأكبر سنا في السراديب لاستخدامهن كزوجات مؤقتات بالجملة، عندما لا يتم ضخ دمهن لنقله للجرحى الجهاديين ... أما الأصغر سنا فيتم الفرز بينهن وبيعهن.

تبدأ أسعارهن من 150 يورو بالنسبة لطفلة يبلغ سنها تسع سنوات في فترة التخفيضات المنعقدة في اطار جلسات خاصة. ويمكن أن يصعد إلى عدة آلاف من الدولارات في مزاد علني. لكبار شخصيات داعش والمقاتلين الاجانب الاسبقية في الإختيار. يبدوا على شريط فيديو مسجل من قبل رجال داعش ليلة بيع العبيد، مُلتح متحمس يصرخ: "أين يازيديتي؟ أريد واحدة بعيون زرقاء! ". وأصدقائه يضحكون بسخاء. وحشيّة الهيمنة الذكورية كلها بارزة في هذا المشهد.

عندما يمّل المشترون من مشترياتهم أو يعزمون اقتناء فتاة أخرى، يقومون ببيعها للمهرّبين. بهذه الطريقة تقوم المنظمات غير الحكومية والحكومة الاقليمية العراقية بأداء أثمنتهن وتحريرهن. وبهذه الطريقة أُخرجت الآلاف من حالة الرعب. وفرّ البعض من هُنّ. وخرجت المئات لرفع السلاح في وجه داعش. اما الأخريات فما زلن أسيرات في رقة.

في كندا، علمت إحدى الناجيات للتو أن ابنها عماد مازال على قيد الحياة. كان من بين الأسرى، وجدوه أهلب وهزيل البنية، تم تحريره من قبل الجيش العراقي في الموصل. قام بعض المواطنين بالتبرع قصد لمّ شمل أمّ بابنها. هذا لا يعني في الواقع أن الجحيم انتهى بعد. وستلتهب نيرانه طويلا. الأجسام والقلوب والعقول.

كارولين فوريست

السبت، 22 يوليو، 2017

"آه، ماذا لو كان الاله مثلي الجنس"

تخليد لهذا الحدث. كريدي فوطو: المجلس البريطاني للمسلمين القدماء


في وقت ليس ببعيد، ولمواجهة المتعصبين المناهضين للإجهاض، ردّد مناهضي الفاشية وهم يهتفون "ماذا لو عاشت مريم حالة اجهاض، فلن نعيش كلّ هذا الهراء". كان اليسار حينها في قمّته مُوحّد ضد الظلامية.

اليوم يجب أن تكون انتحاريا لتدندن بجرأة "آه، لو كان الاله مثلي الجنس، ستنقص حدّة  هذا الهراء ". ورغم ذلك ... فلو كان الاله مثلي الجنس، ستقلّ حدّة العنف في العالم وسيصبح أكثر تسامحا. ولن يُشنق المثليون جنسيا في إيران. ولن يُرمى بهم من فوق أسطح المنازل في الأراضي التي تسيطر عليها حماس أو داعش. ولن يتم طردهم من الشيشان حتى "نستطيع –كما جاء على لسان قديروف - تنقية الدّم الشيشاني" و "التقرب بذلك من الله". وفي برلين، لن تتلقى احدى المساجد الليبرالية تهديدات بالقتل بسبب الوعض بالتسامح اتجاه المسلمين المثليين جنسيا. وجانبا، لن يحاول شاب باكستاني يُدعى "جاهد تشودوري" الانتحار، وهو مثلي الجنس يبلغ من العمر 24 عاما، إثر تعرضه لهجوم من قبل مواطنين من بلدته وسط لندن وطرده من المسجد الذي يعبد الله فيه. فالإشارة الوحيدة التي تُثبت انه يعيش في ديمقراطية منفتحة، وليس في باكستان، هي عقد قرانه مع رفيقه مؤخرا.

نعم، لأنه إذا كان الاله مثلي الجنس، سيعيش حتما حالة حب، وسيكون أكثر سعادة ... غير انه أرجوكم لا تبوحوا بهذا السر، فسوف تُتّهمون "بالإسلاموفوبيا". خاصّة، وهذا ما هو محزن، إذا كنت تتغنى بها في مسيرة فخر المثليين.

مريم نمازي وأصدقاءها من "المجلس البريطاني للمسلمين القدماء" عاشوا التجربة مؤخرا. معظمهم فروا من إيران أو باكستان للجوء إلى أوروبا بسبب تعصُّب المتطرفين. متباين الجنس كانوا او مثلي الجنس، لديهم قواسم مشتركة ألا وهو الحلم بعالم أفضل، أقل عنصرية، أقل جنسانية وأقل خوف من المثليين، وبالتالي أيضا أقل تعصّب. ففي 9 تموز الأخير قاموا بالاستعراض في مسيرة الفخر وقد رُسمت على نهودهن ألوان القوس قزح أو آخرون أكثر احتشاما مرتديين أقمصة فقط. فتحت طريق الموكب اعداد مهمة من أعضاء الشرطة المثلي الجنس، جاءوا للاحتفال بالحرية والفرح في أزقة نزفت جراء سلسلة الهجمات التي تعرضت اليها مؤخرا. "أنتم تمثلون أفضل ردّ على الكراهية"، هكذا علّق عُمدة لندن، ساديق كان، اتجاه هُتاف الحشد.

ومن بين المشاركين في المسيرة، لم يجسّد احد أفضل بديلا للكراهية والعنصرية والتعصب بقدر ما جسّده الملحدين من ثقافة مسلمة وهم يدافعون عن الحق في الحب الذي يتعدى حدود البلدان. عبروا به عبرلافتات تصرخ "الاله مثلي الجنس"، "مسلم قديم وفخور بذلك"، "أرجعوا الحقوق للمثليين جنسيا في العالم"، "أدينوا القوانين المعادية للمثليين"، "اللعنة لرهاب الجنسية المثلية الإسلاموية " أو "الإسلاموفوبيا هو التناقض ".

شعارات لها تاريخ وأسباب النزول. العديد من هؤلاء النشطاء من اصول باكستانية اختبروا في أجسادهم وبدمهم عنف القوانين المضادة للتجديف الدّيني. إنهم يعرفون عن ظهر قلب خطر هذه الكلمة المُربكة التي تُحدث الخلط بين انتقاد الدين وشكل من أشكال العنصرية. غير انه إذا استطاعت هذه الاّفتات رسم ابتسامة على مُحَيّا معظم المتظاهرين، فلم تجدها الشرطة الإنجليزية مُسلّية، وأبدت مرعوبة من فكرة اعتبارمضمونها إساءة أو موضع استهجان من قبل البعض. وهذا ما حدث بالفعل.

قام مسجد شرق لندن يوم المسيرة، وهو مسجد يتلقى الدّعاة الذين يكنّون كراهية للمثليين، قام بالتنديد ب"الإسلاموفوبيا" قبل ان يُقدم شكوى بتهمة "التحريض على الكراهية". وجاء بسوء نيته المعتادة. وشوه مضمون لافتات الجمعية جاعلا الناس يعتقدون انه كتبت عليها "اللّعنة للإسلام" وليس "اللّعنة لرهاب الجنسية المثلية الإسلاموية". وكان الهدف من ذلك هو الحرص على خلط الأوراق وجعل النشطاء المدافعين عن المساواة لا يُميّزون بين الإلحاد والعنصرية.

بنغو ! لقد اصابوا!  لقد أقدم القائمون على مسيرة الفخر بلندن بتبليغ المسجد الذي قدّم الشكوى ... أنهم سيقومون بالتحقيق في الأمر! "نحن لا نود السمّاح بممارسات ذات طابع إسلاموفوبي"، كما صرّح أحد المتحدثين باسم المسيرة وهو فخور بنفسه. حتى دأُب المحقق الشاب يتدارس العقوبات التي ينوي تطبيقها: "سنقرّر ما إذا سيتم السّماح للمجلس البريطاني للمسلمين القدماء المشاركة في مسيرة العام المقبل ام لا". بكل بساطة.

هذا إشعار للمطرودين، أنصار التسامح مع التعصّب واستبعاد مقاومي الكراهية. ففي المستقبل، إذا تمّ استبعاد الملحدين المناضلين ضد الأموفوبيا الدينية - يدفعون ثمنها بحياتهم - لإرضاء الأصوليين، فهذه هي الشعارات الجديدة التي قد تسمعونها: "آه، إذا كان كل المثليون جنسيا أغبياء الى هذا الحد، فسوف يقل هراء معادي الجنسية المثلية ".

كارولين فوريست